اتفق مع المعتقدين بأن انخراط حركة حماس في نظام السلطة الفلسطينية، ثم صعودها بتزكية انتخابية إلى مركز صناعة سياسات وقرارات هذا النظام، من أبرز الوقائع الفلسطينية لعام2006. لكنني أذهب إلى أكثر من ذلك، وهو ترشيح »الجدل« اللاحق لهذا التحول وتداعياته ليكون حدث العام بالنسبة للحياة الفلسطينية بمختلف جوانبها.

لهذا الترشيح مسوغات وحيثيات يمكن إيجازها في الشمولية والاتساع والامتداد الزمني، وهذه من خصائص القضايا الإستراتيجية. فقد كان جدل ما بعد الانتخابات الفلسطينية التشريعية وتشكيل حماس حكومة السلطة شاملاً وعميقا حتى انه استطرق إلى كافة شؤون الفلسطينيين وشجونهم، وكان موسعاً من حيث المنغمسين فيه والمعنيين بنتائجه والمؤثرين عليه. وكان ممتداً غير منقطع على مدار العام وقد يظل موصولاً بشكلٍ أو بآخر في 2007.

اللافت أن تبلور حماس فكرياً وحركياً وممارساتها خارج النظام الفلسطيني ومقاطعتها له بشقيه، منظمة التحرير والسلطة الوطنية، كانت معطيات فارقة فلسطينياً خلال العقدين الماضيين. وفي غضون هذه الفترة اجتهدت أدبيات كثيرة في تشوف واستطلاع آفاق هذه المعطيات على سيرورة القضية الفلسطينية ومداراتها. غير أن هذه الاجتهادات لم ترق بتصوراتها إلى توقع سيناريو الأحداث التي نسمع ونرى منذ بداية 2006.

كان أقصى المستهدف، والمتوقع في حقيقة الأمر، هو استدراج حماس إلى رحاب العملية السياسية الفلسطينية، لتشغل موقع المعارضة من داخل النظام. ولأنها سوف تمثل في أحسن الفروض أقلية محدودة فإن تأثيرها سيظل بدوره محدوداً يمكن استيعابه. فيما يبقى لحركة فتح الدور الأكبر في تعيين أهداف الحركة الوطنية ووسائل تحقيقها كالمعتاد، وسيعقب هذا التطور انصياع حماس للإرادة الفلسطينية العامة، إرادة الأغلبية التي ستعبر عنها فتح. وفي المحصلة سيتخلص دعاة التسوية السياسية والنضال المدني من صداع حماس وأخواتها من أصحاب الرؤى الجذرية والنضال المسلح. ذلك لأن من يقبل بالعملية السياسية الديمقراطية عليه الخضوع لاستحقاقاتها ونتائجها بالكامل.

نظن أن هذه التوقعات هي التي حفزت الكثيرين لتشجيع حماس على الانضواء في النظام.. لكننا ندرك الآن أي إخفاق وقع فيه أصحاب هذه الأجندة، وكيف أنه بدلاً من أن يشهد 2006 إسدال الستار على عهد حماس بالوسائل الديمقراطية، إذا بهذه الوسائل تدشن لهذه الحركة وللنظام الفلسطيني بل وللحركة الوطنية الفلسطينية عهداً جديداً لا سابق لكل المعنيين بمعرفة قواعده ولا بكيفية التعامل معه.

والحال أن هؤلاء المعنيين فلسطينياً (بما في ذلك حماس ذاتها) وإسرائيلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، أهلكوا 2006 بطوله وهم يتحرون هذه القواعد. وفي هذه الغضون نشأ الجدل الذي وصفناه بالشمولية والاتساع والامتداد ومنحناه جدارة التميز على غيره من أحداث السياق الفلسطيني عموماً.

نعلم الآن أن شطراً واسعاً من الذين انخرطوا في هذا الجدل، انتهوا إلى اتخاذ سياسات ومواقف انحرفت عن سوية التعامل القانوني أو الأخلاقي أو الديمقراطي السليم مع الوضع النظامي الفلسطيني المستجد. وأن هذا الانحراف انحط إلى درك أسفل، أدى بهم إلى فرض حصار طغياني بغيض طال سواد الشعب الفلسطيني. وبالنسبة لهذا الفريق، كان الجدل كاشفاً بقوة لمدى نفاقهم وتهافت خطاباتهم ومزاعمهم حول الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان وحيادية السياسيات والمواقف تجاه تفاعلات الداخل الفلسطيني. وبالطبع أصبح من السهل أكثر فأكثر إثبات ازدواجية معاييرهم في التعامل مع طرفي مسار التسوية وفضح تحيزهم لإسرائيل وتبنيهم لاملاءاتها على الفلسطينيين.

لقد انطوى هذا الجدل الكاشف عن خسائر معنوية كبيرة لهذا الفريق، الذي ضم الولايات المتحدة ومعظم الأوروبيين.. ولأن هذه القوى تتحكم بقدر أو بآخر في السلة الاقتصادية والمالية الفلسطينية تحت عنوان »الدول المانحة« فقد باء الفلسطينيون بدورهم بخسائر مادية جسيمة. ولنا أن نربط بين هذه النتيجة المأساوية وبين التشاد والتناظر المرير الذي تمخض عنها في الرحاب الفلسطينية، لاسيما بشأن الأهداف الحقيقية للمانحين، التي ثبت أنها تدور في فلك نظرية »الخبز مقابل الحقوق«.

في كل حال، لم يعبأ المانحون من دعاه الديمقراطية لسمعتهم التي مرغها تصرفهم المعيب، وإنما تنبهوا أكثر لحصاد هذا التصرف، عساه أن يدجن حماس ويطوعها أو يطيح بحكومتها ويطوي صفحتها. لكن انتظارهم طال على مدار العام. ومع الاعتراف بأن هذه السياسة خلفت أوضاعا فلسطينية بائسة، وأدت إلى تدافع حاد بين السلطة وناسها وكذلك بين الفصائل، لاسيما فتح وحماس، وصولاً في بعض الأوقات والمناسبات إلى حافة الصدام المسلح المفتوح وإطلال مخاوف الحرب الأهلية، إلا أن هذه التجليات لم تمثل إلا الجانب السيئ من الصورة. ففي تقديرنا أن السجالات الفلسطينية البحتة، أنضجت بشكلٍ موازٍ صورةً أخرى اقل سوءاً، لكنها لم تلق حظها من الإضاءة والتحليل.

فالفلسطينيون لم يتجادلوا ويتناظروا ويتدافعوا فقط بلغة التهديد والوعيد والتشاتم والتلاوم السياسي والإعلامي والقصف الكلامي القاسي، بل إنهم أيضا أداروا خلافاتهم وتحاوروا حولها بلغة القوانين واحتكموا للمواثيق الأساسية والتشريعات والقرارات ذات الطبيعة الدستورية.. لقد تحادثوا على طاولات حوار وتشاور وتباحثوا بشأن كيفية التوافق على قواعد وقواسم مشتركة. جرى ذلك بمبادرات من لدنهم أو بمداخلات من وسطاء مقبولين. ونتج عن هذه الآليات أوراق يحتكمون إليها ويتبادلون الاعتراف بقضائها إلى حد كبير كوثيقة الوفاق الوطني.

حدث هذا ومثله من أنماط التعامل الرصين،على الرغم من أن الجدل دار حول قضايا شديدة التعقيد وبين قوى متغايرة ومختلفة أيديولوجياً بشكل جدي، وفي أجواء ملبدة بضغوط الخارج وكيد بعض أهل البيت. ونحسب أن معطيات مقبضة كهذه كان من شأنها جرف المجال السياسي والاجتماعي كله إلى هاوية النار والدم،على نحو لا يمكن تداركه كما لمسنا أكثر من مرة.

نود القول بأن جدل ما بعد تحول النظام الفلسطيني إلى القطبية الثنائية، بين فتح وحماس في 2006، لم يخل من فضائل. فهذا الجدل عبر عن نهاية زمن احتكار السياسة من لدن قوى بعينها. كان أقصى المستهدف من الانتخابات أن تشغل حماس موقع المعارضة كأقلية محدودة.

كاتب وأكاديمي فلسطيني