الشارع العربي من أوله إلى آخره يعيش ويتعايش ويتفاعل يوما بيوم مع غليان الشارع اللبناني. وربما ظاهرة التضامن الخارجي هذه والتفاعل مع الأزمة اللبنانية تشكل بالنسبة للكثيرين من المحللين أهمية أكبر من الأزمة نفسها.

لو أن حالة الغليان التي يعيشها الوضع اللبناني هذه الأيام جاءت قبل ستة أشهر فقط لما التفت إليها أحد ولربما حلت الأزمة نفسها دون حتى الحاجة إلى النزول إلى الشارع ومحاصرة السراي الحكومي بمن فيه.

ولكنها جاءت في وقت حرج جدا بالنسبة للبنانيين بشكل خاص وللعرب بشكل عام. فلم يكد يمر شهران فقط على خروج لبنان من حرب ضارية اصطدم فيها رجال مقاومة حزب الله مع ترسانة إسرائيل بكل ما تملك من قوة. وبدلا من أن تعتبر لبنان مهزومة في هذه الحرب غير المتكافئة في القوة والعدة،

إلا أن الطريقة التي خرج بها الإسرائيليون من الحرب، والخسائر غير المتوقعة التي لحقت بأسطورة الجيش الإسرائيلي عدة وجنودا، ومن ثم تدخل الولايات المتحدة السريع لإنقاذ إسرائيل من مغبة الأمر، وما ترتب على ذلك من هزيمة الحكومة الإسرائيلية نفسيا وشعبيا،

ومن فزع الإسرائيليين أمام انعدام جدوى ترسانة السلاح الإسرائيلي بما فيها السلاح النووي في الدفاع عن الكيان أمام مجموعة صغيرة مسلحة، فما بالك في الحروب الكبيرة إذا ما نشبت مع سوريا وإيران مثلاً؟ وما تلى ذلك بالطبع ككل مرة من كشف العديد من فضائح الفساد المالي والأخلاقي في الحكومة الإسرائيلية،

كل ذلك وغيره غيّر مسار الدمار الذي أصاب لبنان من هزيمة مادية إلى انتصار معنوي في أعين نسبة كبيرة من اللبنانيين (خاصة وأن المقاومة لم تخسر الكثير في هذه المعركة سواء من ناحية عدد المقاومين الذين استشهدوا في ساحة المعركة أو السلاح الذي مازالت تحتفظ بكميات هائلة منه).

وفي الوقت الذي بدأ اللبنانيون يسمعون فيه عن تداعي العديد من جدران الحكومة الإسرائيلية والذي انتقلت آثاره بعد ذلك إلى زعزعة أركان البيت الأبيض الذي كان ينتظر بفارغ الصبر نهاية الحرب ليجني الكثير من سقوط مقاومة حزب الله في لبنان لتسريع تنفيذ خططه في المنطقة وتصفية حساباته مع سوريا وإيران وتثبيت قدميه اللتين بدأتا تغوصان في أوحال العراق.

وقد ربط اللبنانيون وخاصة ممن ساندوا ودعموا المقاومة بين نتائج الحرب اللبنانية الأخيرة وبين خروج سادة الحرب في الولايات المتحدة الاميركية من البيت الأبيض بعد ذلك مباشرة وازدياد نسبة عدد الأميركيين المناهضين للحرب في العراق، ورأوا أن انتصارهم ذلك كان (انتصارا إلهيا) يمثل صفعة للدول المتغطرسة التي ضربت بكل القيم الإنسانية والأخلاقية عرض الحائط باستغلال كلمة (الديمقراطية والتحضر) لاستعباد وإخضاع الشعوب الضعيفة.

وفي الوقت الذي راهن فيه العديد من المحللين السياسيين أثناء الحرب، على نهاية مجد حزب الله، نجد هذا الأخير يخيب آمالهم ويصبح بعد الحرب أشبه بالمعجزة الإلهية في أعين نسبة كبيرة جدا من اللبنانيين وشعوب المنطقة من المسلمين والعرب الذين وجدوا فيه كشفا مهما لموقع كعب أخيل في جسد الكيان الصهيوني، والذين بدأوا يؤمنون بأن هزيمة هذا العدو أصبحت ممكنة بل قريبة جدا.

في حقيقة الأمر، فإن هناك العديد من الجهات والأطراف التي كانت تتمنى قبل الحرب موت حزب الله. فالمصالح تلعب دوراً كبيراً في رسم التوجهات والمواقف. والذكاء الشديد الذي أبداه حزب الله أثناء الحرب الأخيرة من حيث السرية والتنظيم والمناورة، لم يغب عنه بعد انتهاء الحرب.

فأولا، كان أسرعهم إلى تعويض اللبنانيين دون تفرقة ممن تضرروا جراء الحرب حتى قبل أن تفكر الحكومة في التحرك، وثانيا، وبعد أن كانت كلمة (شهيد) تطلق فقط على المسلم الذي يقتل دفاعا عن الدين والوطن، نجده يشمل بهذه الكلمة حتى المسيحيين الذين قتلوا مع المقاومة مما زاد من مصداقيته وشعبيته وضمن دعم المسيحيين له ولحزبه،

وثالثا، وهو أهم من كل ذلك، وهو أنه بدلا من الاستئثار ـ كما هو الحال عادة ـ بالنصر لنفسه، قام بتقسيمه على جميع اللبنانيين دون تفرقة بين مؤيدي ومعارضي الحرب، وبدلا من تغييب الآخر نجده وكنوع من الوفاء يضم إليه جميع القوى التي وقفت معه أثناء الحرب ولم يعد يتحدث بعد ذلك عن حزب الله بل عن المعارضة، فإذا بهذه الأخيرة تصبح أقوى شوكة مما كانت عليه في أي وقت من الأوقات.

فلم يعد الحديث عن مواجهة داخلية ضد حزب الله «الشيعي» المدعوم من إيران وسوريا، وإنما عن مواجهة ضد أكثر من قوى وطائفة تتشكل من الشيعي والسني والمسيحي بل أن نسبة كبيرة من الدروز يؤيدون المقاومة وينتقدون وليد جنبلاط على مواقفه التي يرون فيها خروجا عن حكمة وشخصية وسياسة والده كمال جنبلاط ما قد يعرضهم لمخاطر الفتنة في لبنان، خاصة حين يتعلق الأمر بالسماح بتدخلات أجنبية خارجية غير مرغوب فيها لدى العرب المسلمين عامة.

وهكذا وظف حزب الله كل إمكانياته وخبراته ليتحول إلى موقع الهجوم بعد أن كان مهدداً بنزع سلاحه، وإذا بالأكثرية الحاكمة المهاجمة تصبح الأقلية المدافعة والمحاصرة، وقد عزز هذا النجاح خروج ملايين اللبنانيين من شتى الطوائف لأول مرة في تاريخ لبنان إلى الاعتصام في شوارع بيروت على مدى الأربع والعشرين ساعة ولفترة طالت لأكثر من أسبوعين تحت درجة حرارة تقل عن 10درجات مئوية وتحت وابل من المطر مطالبة أولا بتوسيع الحكومة، وإن لم يفلح الأمر فمهددة بإسقاطها والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

وأمام إصرار الحكومة من جهة على تجاهل هذه الاعتصامات واعتبارها مسيسة من الخارج (سوريا وإيران) وبأنها لا تمثل كل الشعب اللبناني وبأنها ستنحسر مع الوقت، وأمام تمسك المعارضة من جهة أخرى بمواقفها تجاه الحكومة واتهامها باستغلال مقتل الحريري وبيير الجميل لاتهام المعارضة، أصبح التوصل إلى اتفاق بين المتحاربين أشبه بالمستحيل.

الشارع العربي ظل صامتا ولكنه كان أيضا يغلي من الداخل لما يجري في لبنان. فالعرب والمسلمون شعروا بأن المقاومة اللبنانية قد ردت لهم كرامتهم لأول مرة في تاريخ صراعهم مع إسرائيل. ولم يكن سهلا على الشارع العربي والإسلامي تقبل مشهد انقلاب الصدام إلى الداخل اللبناني على شكل طائفي أو حزبي وباستغلال جهات خارجية أخرى للوضع المتأزم لإثارة الفرقة بين الشيعة والسنة والمسيحيين والدروز.

في الوقت الذي يغرق فيه جزء آخر من الوطن العربي في سيل من الدماء نتيجة للنزاع الطائفي بين الشيعة والسنة أيضا. وفي الوقت الذي بدأ الصراع يحتد بين حماس وفتح على السلطة.

وليس بيد الشارع العربي أي وسيلة لحل مثل تلك الأزمات. بينما ظلت معظم الحكومات العربية تدعو اللبنانيين بدبلوماسية بتحكيم العقل والمصلحة الوطنية، وقد يكون الحل سهلا جدا، ويصب في مصلحة الجميع وفي متناول اليد. إلا أننا تعلمنا التمسك بمواقفنا الرافضة وعدم التنازل لأنه يعد بمثابة هزيمة للكرامة الشخصية.

وهنا تقع مصلحة الوطن بعد عدة مراتب من مصلحة الحزب أو الجماعة أو حتى الشخص الواحد. وكان بإمكان رئيس الوزراء اللبناني وبكل ثقة بحكومته وشرعيته أن يحسم الأمر من خلال الموافقة على طلب الاحتكام إلى المواطن اللبناني والدعوة إلى انتخابات مبكرة يفصل فيها أمر شرعية الحكومة الحالية.

فإذا عاد وصوت اللبنانيون للحكومة الحالية من جديد فهذا سيزيد من قوة الحكومة في الاستمرار وتقليص دور المعارضة وجعلها في موقف المدافع. أما إن اختار الشعب اللبناني حكومة جديدة فهذا سيؤكد صحة موقف المعارضة، وأن المواطن هو سيد الموقف قبل مصلحة الحزب أو المصلحة الشخصية وأن الجميع سيعمل على بناء لبنان من جديد

الجامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com