فيما رئيس الحكومة إسماعيل هنية يواصل جولته العربية والإسلامية، والرئيس محمود عباس حائر في أمره وقراره، عادت الساحة الفلسطينية خصوصاً قطاع غزة لتكون مسرحاً للتوتر والاشتباك، والقتل، وتعميق ظاهرة الانقسام والاستقطاب السياسي والاحتقان الشعبي.
اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي عقدت اجتماعاً هاماً لها يوم السبت الماضي التاسع من هذا الشهر، كانت قد اتخذت جملة من القرارات، التي تعكس رغبة أعضائها في إعادة تنشيط مؤسسات المنظمة ونحو استعادة مكانتها باعتبارها العنوان الرئيسي للشعب الفلسطيني، ولإبلاغ العالم بأنها جاهزة للدخول في أية مفاوضات من شأنها إنهاء الاحتلال.
ولأجل تعزيز هذه المكانة واستعادة هذا الدور السابق للمنظمة تنوي التنفيذية دعوة المجلس المركزي للانعقاد. على أن تلك القرارات التي تحاول من خلالها فصائل المنظمة، دفع مكانة السلطة إلى الخلف، والارتفاع بشأن مكانة المنظمة وبعد أن أصبحت الحكومة بيد حركة حماس، لم تلفت انتباه قيادة الحركة، التي تجندت، وجردت حملة إعلامية قوية ضد التوصية التي رفعتها اللجنة التنفيذية للرئيس عباس، وتطالبه بالعمل على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة كمخرج من الأزمة بعد أن وصل الحوار إلى طريق مسدود.
وبالرغم من أن الرئيس عباس لم يقرر بشأن توصية اللجنة التنفيذية، بل إن الإشارات التي صدرت عنه لاحقاً لا تفيد بأنه يتجه نحو تبني خيار الانتخابات المبكرة، وأيضاً بالرغم من أن توصية اللجنة التنفيذية تعطي بعض الوقت كفرصة لمعاودة الحوار قبل أن يضطر الرئيس لمخاطبة الشعب بقراره، إلا أن ردود فعل حركة حماس جاءت صعبة وشاملة وتتميز بالحسم.
حركة حماس اتهمت حركة فتح بإفشال الحوار، واعتبرت أن اللجنة التنفيذية فاقدة الصلاحية ولا تمثل الشعب الفلسطيني، والبعض منهم ينفي أن تكون منظمة التحرير مرجعية السلطة، كما أنها تنفي أن الرئيس يتمتع بصلاحية حل الحكومة والدعوة لانتخابات مبكرة، فيما يحذر المسؤولون عن حماس من النهج الانقلابي.
وفي المقابل تتهم حركة فتح قيادة حماس بالمسؤولية عن فشل الحوار، وبالفشل عن إدارة البلاد ورفع الحصار، وبأنها تنفذ أجندة إقليمية، عمقها رئيس الحكومة إسماعيل هنية خلال زيارته لطهران حين أكد أن إيران هي العمق الاستراتيجي لفلسطين، الأمر الذي أغضب بعض الدول العربية.
الحملات الإعلامية والاتهامات الصعبة، في ظل توقف الحوار وعدم قدرة الوسطاء المحليين على إقناع الطرفين بالعودة إليه، إنما تشكل الوصفة الأكيدة لتعميق حالة الانقسام والعداء، وزيادة التوترات والأزمات الداخلية تماماً كما توقع رئيس الحكومة في تعليقه على توصية اللجنة التنفيذية. فعدا عن جملة من الانتهاكات بحق مواطنين، وتفجيرات لبعض نوادي الانترنت ومحلات بيع الأشرطة، وإصابة ثلاثة من أفراد الأمن الوطني خلال مسيرة احتجاج على تأخر دفع الرواتب، فإن ما وقع صباح يوم الاثنين الماضي نقل الحالة إلى مستوى بالغ الخطورة.
في الصباح الباكر من يوم الاثنين وقعت جريمة مروعة وغريبة على الفلسطينيين حين حاصرت ثلاث سيارات مدججة بالمسلحين، سيارة تقل أطفال العقيد في المخابرات العامة بهاء بعلوشة، وأطلقت عليهم وابلاً من الرصاص أدى إلى قتل الأطفال الثلاثة وشاب رابع، وإصابة عدد من المواطنين بالإضافة إلى إصابة سائق السيارة.
القوى السياسية كلها أدانت الجريمة، وخرجت مسيرات فصائلية وشعبية تندد بها، وتطالب المسؤولين بكشف مرتكبيها وإنزال القصاص بهم، غير أن الناس أخذوا يعبرون عن ضيق شديد من تفاقم الوضع، ولا يتورعون عن مطالبة المسؤولين بالاستقالة، طالما أنهم غير قادرين على إطعام المواطن وحماية أمنه الشخصي.
الجريمة بحق الأطفال الثلاثة، جاءت في سياق تراكمي ليرسم صورة مشهد فلسطيني مؤلم إلى حدود الكفر بالفصائل وبالمسؤولين، ويدفع الكثيرين منهم للتفكير بالهجرة خارج البلاد، ليلتحقوا بأكثر من عشرة آلاف هاجروا منذ بداية العام. فمنذ بداية العام وحتى نهاية نوفمبر منه، قتل 322 مواطنا فلسطينيا، أكثر من 76% منهم من قطاع غزة، ووقع 222 حادث اعتداء على ممتلكات خاصة وعامة، على الرغم من وجود نحو ثمانية وسبعين ألف شرطي ورجل أمن.
وخلال هذا العام اتخذت النيابة العامة في غزة أكثر من 17000 قرار لم ينفذ منها أي قرار، كما أن هناك 45000 قضية منظورة أمام المحاكم لم يبت سوى بنحو خمسمئة منها. وبحسب الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن أيضاً، فقد شهد قطاع غزة خلال هذا العام تصاعد حوادث الاعتداء والتهديد للصحافيين والمؤسسات الصحافية، وظهور جماعات مسلحة تحت مسميات مختلفة تستهدف باعتداءاتها محلات الانترنت وبيع الأشرطة والاسطوانات المدمجة.
وإذا كانت مقارنة أعداد ضحايا الفلتان الأمني وفوضى السلاح والانقسام السياسي بحصيلة ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية خلال العام ذاته، فإن الأمر يبلغ حد الصدمة ولكن من دون أن يظهر فرقاً لدى المسؤولين المتصارعين على الحكم والسلطة.
بحسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة، فقد بلغ عدد الشهداء بسبب الاعتداءات الإسرائيلية منذ بداية العام الحالي حتى 6/12 الجاري ستمئة وستة وثلاثين، منهم خمسمئة وستة وعشرون من قطاع غزة، ومن بينهم 478 مدنياً، منهم 119 طفلاً و33 امرأة و136 حالة اغتيال، بينهم 46 غير مستهدفين من قبل قوات الاحتلال.
هذا الواقع المؤلم وفي ظل غياب الحوار، وارتفاع نبرة التحريض والاتهامات جعلت الناس في قطاع غزة يفكرون بتكرار ما يجري في الجوار، حيث يخرج الآلاف من بيروت منذ أسبوعين، يتحصنون في الشوارع.
والواقع أن ما تشهده الأراضي المحتلة، خصوصاً ما يشهده قطاع غزة، يضفي قدراً كبيراً من المصداقية على تحذير الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال افتتاحه القمة الخليجية السابعة والعشرين حين قال إن المنطقة تقف على برميل من البارود ينتظر الانفجار، وبعد أن حذر الملك عبد الله بن الحسين من إمكانية اندلاع حروب أهلية في كل من العراق ولبنان وفلسطين.
فإذا كان الوضع في لبنان قد حرك الوسطاء العرب، وحاولوا ذلك في العراق، فإن فلسطين تنتظر من أشقائها العرب تحركاً قوياً وسريعاً، بوقف حالة التدهور وللمساهمة في تحقيق توافق وطني يؤدي إلى فك الحصار الخارجي والداخلي، قبل أن تتحقق نبوءة الملكين السعودي والأردني، ذلك أن شرارات الانفجار في فلسطين إن وقعت من شأنها أن تصل إلى أماكن بعيدة.
كاتب فلسطيني
