أعلن الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد أن بلاده نجحت في تخصيب اليورانيوم ولذلك فمن حقها أن تكون دولة إقليمية كبرى تلعب دوراً إقليمياً بارزاً، كما أعلن رضا زاهدي قائد القوات البرية في الحرس الثوري أن إيران تحولت من قوة إقليمية إلى قوة عالمية، ولعل الرئيس نجاد والجنرال زاهدي بنيا حق بلادهما هذا على أن إمكانات إيران البشرية والاقتصادية والعسكرية والجيوبوليتيكية عامة تؤهلها لأن تلعب هذا الدور،
فعدد سكانها يصل إلى سبعين مليون نسمة أي تتساوى أو تتماثل في ذلك مع مصر ومع تركيا، وهي من المنتجين الرئيسيين للنفط (رابع مصدر في العالم)، ويعطيها موقعها الجغرافي ميزات عديدة لأنها مجاورة لبلدان آسيا الصغرى وبلدان وسط آسيا وبلدان الخليج العربية فضلاً عن تركيا، وله ـ أي هذا الموقع ـ تأثير كبير على مجريات الأمور في هذه البلدان، وأخيراً ها هي تسعى لامتلاك الصناعات النووية.
ولاشك أن دورها المعلن والمستتر في أحداث أفغانستان والعراق يؤكد ذلك، وترى إيران أن هذه (المزايا) تعطيها الحق بأن تكون دولة ذات نفوذ إقليمي كبير وعلى الدول الكبرى والتكتلات العالمية الاعتراف به وأخذه بعين الاعتبار لدى وضع استراتيجياتها أو تحديد علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، وعليها ألا تتعامل مع إيران كدولة هامشية منكفئة داخل حدودها.
أقام الفرس أكثر من إمبراطورية في التاريخ القديم والحديث، وهذا ما جعل اعتزازهم القومي واسع الطيف مهما تحدثوا اليوم عن الإسلام والدولة الإسلامية وجمهورية إيران الإسلامية لأن لهذا الحديث أهدافاً أخرى مختلفة، وأشير إلى مثالين عن إمبراطورياتهم التي أقاموها، ففي التاريخ القديم أقاموا إمبراطورية فارسية امتدت من آسيا الصغرى حتى مصر،
وكانت واحدة من إمبراطوريتين تحكمان العالم القديم مرة تشارك فيها اليونان وأخرى تشارك الرومان إلى أن استطاع العرب المسلمون التغلب على هذه الإمبراطورية في النصف الأول من القرن السابع الميلادي وانهارت نهائياً. وفي التاريخ الحديث أقام الصفويون إمبراطورية فارسية في القرنين السادس عشر والسابع عشر تحت مظلة الإسلام الشيعي شملت قسماً من دول آسيا الصغرى وآسيا الوسطى وشرق تركيا والعراق،
ومازالت العزة القومية والرغبة الإمبراطورية تملآن نفوس أبناء القومية الفارسية حتى الآن، وتتنامى هذه المشاعر أحياناً لتصل إلى الاعتداد المفرط، وفي الحالات كلها فإن الفرس في إيران يعتقدون أن ماضيهم التليد يبيح لهم ما لا يبيح لغيرهم، وإن كانوا يخفون اعتقادهم هذا تحت أي غطاء.
لاشك أن الدول العربية ترحب بصعود القوة والقدرة الإيرانية إن وضعت في خدمة المنطقة وأهدافها، ويتسنى ذلك من خلال نسج علاقات صحيحة شفافة تحترم المصالح المشتركة للطرفين، وتعميق الثقة بينهما وإقامة تعاون جدي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها، والاهتمام بالتنسيق السياسي في النطاق الإقليمي وعلى النطاق الدولي،
وهذا مالم تقم به السياسة الإيرانية على العموم وما لم تمارسه خلال العقدين الماضيين، بل على العكس بدا للعرب أن لإيران مطامح واسعة الطيف تتعارض مع مصالحهم، ومطامع في الهيمنة، وشعور إمبراطوري ظاهر، وغطرسة قومية واضحة مما ولد القلق والخشية لدى الدول العربية وأضعف الثقة والاطمئنان بها.
لقد أوقعت الثورة الإيرانية نفسها بخطأ استراتيجي عندما عقدت الصلات مع التجمعات الشيعية في الدول المجاورة دون غيرها وأقامت العلاقات معها على أسس مذهبية وتجاهلت الفئات الأخرى، وهذا جعل شعوب البلدان العربية ترتاب ليس فقط من هذه العلاقات المذهبية بل أيضاً من السياسة الإيرانية برمتها،
لأن من يود أن يكون له نفوذ معنوي لدى شعوب الجوار من المفروض أن يكسب ودها جميعاً من خلال طرحه لشعارات الصداقة والتعاون ووحدة المصير والثقة المتبادلة والاعتراف بحق الجار ومصالحه، لا أن يمد يده لبعضها ويتجاهل البعض الآخر، ويتعامل مع الشعوب على أساس مذاهبها وطوائفها مما قد يعطي أثراً عكسياً، مما يبدو وكأنه تدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
من جهة أخرى خلطت السياسة الإيرانية بين الاستراتيجي والتكتيكي في تعاملها مع الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق حينما ساعدت هذا الاحتلال على إنجاز مهماته وقدمت له العون حسب اعتراف قادة إيران ومنهم محمد علي أبطحي نائب الرئيس الذي قال (لم تكن أميركا تحلم بغزو العراق أو أفغانستان لولا الدعم الإيراني)
وقامت بذلك طمعاً في نفوذ عابر أو ثأراً من طالبان ومن النظام العراقي السابق ولا يستوي هذا على أية حال مع شعارات التحرر والحرية ومعاداة الشيطان الأكبر والانتصار لمصالح الجيران، ومن البديهي القول أن البيع والشراء العارضين لا يتلاءمان مع الاستراتيجية التي تبحث عن نفوذ وتهدف لإقامة تكتل في المنطقة يقف بوجه التدخل الأميركي، كما لا يتلاءم مع المطامح الإمبراطورية مهما كانت إقليمية أم دولية،
ومنها استمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية ابو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى ودورها غير البناء في العراق وتأثيرها الكبير على السياسة الداخلية اللبنانية لأن النفوذ الإقليمي في عصرنا لا يتأتى من الاحتلال بل من التعاون مع الجيران والاعتراف بحقوقهم كبيرة كانت أم صغيرة وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية وهذا ـ في اعتقادي ـ ما لم تقتنع فيه إيران.
إن من حق إيران أن يكون لها نفوذ إقليمي وهيبة إقليمية وأن يعترف بها المجتمع الدولي كدولة إقليمية كبرى، لكن لهذا الدور شروط لا يمكن أن يتحقق بدونها وعلى رأسها أن تعترف السياسة الإيرانية بحقوق الآخرين، وأن تبني علاقاتها على الثقة والتعاون والتكامل مع محيطها، وتنسق نشاطاتها مع دول المحيط، وتفرق بين كونها دولة إقليمية كبرى وبين مطامحها الإمبراطورية الإقليمية، وينبغي ألا تبنى استراتيجياتها على الضعف العربي الحالي وضعف دول المحيط الأخرى، ويغريها عقد الصفقات مع القوى الدولية على حساب الآخرين
كاتب سوري
