دائما ما أتحدث مع زوجتي أو أصدقائي عن المرارة التي أجدها في نفسي عندما أفكر في متنفس لي ولأبنائي ولا أجد غير مراكز التسوّق، وخصوصاً مع اعتدال الجو في فصل الشتاء، حيث إننا لا نجد مكاناً نذهب إليه للتسلية خارج مراكز التسوق غير البحر أو الصحراء، وما ذلك إلا لانعدام المراكز المجتمعية التي لم يسمع عنها كثير من سكان دول الخليج.

وأذكر أنني كنت أشتكي من هذا الموضوع إلى صديقي أحمد فأخبرني أنه عندما كان صغيراً كان في زيارة مع أسرته إلى مصر، وكان أبوه يلتقي مع أصدقائه المصريين في أحد النوادي التي يؤمها جميع أفراد العائلة، ويذكر أحمد أنه لعب «السكواتش» في أول يوم له في النادي،

وفي اليوم الثاني أخذه صديقه للعب «الجودو» ـ بالرغم من عدم إتقانه لها ـ وفي اليوم الثالث شارك في مسابقة للسباحة... وهكذا دواليك حتى أصبح أحمد (الغريب) أحد أعضاء النادي المنتظمين في أسبوع واحد فقط، وكان ولا يزال يستغرب من قدرة أعضاء النادي على ممارسة هذا الكم من الرياضات بشكل مستمر حتى ان بعضهم تمكن من دخول الفريق الوطني في مصر، بل إن ما زاده استغراباً هو أن جميع أفراد العائلة لديهم ما يقومون به في النادي من أنشطة رياضية ولقاءات اجتماعية.

والمتفقد لأوضاع دول الخليج لا يجد أي توجه من قبل الحكومات أو حتى الأفراد تجاه هذا النوع من المراكز المجتمعية المنتشرة في جميع الدول المتقدمة، وهو أمر يستحق أن نقف عنده عندما نعلم أن مدينة تورونتو الكندية بها 130 مركزاً اجتماعياً وهي التي لا تضاهي مساحتها نصف مساحة مدينة الرياض.

أما لندن فإن بها أكثر من 500 مركز اجتماعي لمختلف الأغراض والأعراق، وهو ما تشجعه الحكومة بل وتوفر له دعماً مادياً ومعنوياً منقطع النظير. فقبل عدة سنوات أطلقت الحكومة البريطانية مبادرة من أجل تفعيل النوادي الرياضية ـ وخصوصا نوادي كرة القدم ـ وزيادة الأنشطة الاجتماعية بها عن طريق إشراك أفراد المجتمع بمختلف فئاتهم في هذه النوادي.

فوضعت رؤية واضحة لهذه المبادرة تقوم على أساس مساعدة وتشجيع كل من يرغب في الحفاظ على رياضة كرة القدم والتواصل الاجتماعي بين سكان الحي الذي يقطنه أو المدينة التي يعيش فيها، وأسست الحكومة صناديق مالية لدعم هذه الأندية بمشاركة منها ومن القطاع الخاص وكل من يرغب من أفراد المجتمع،

فعلى سبيل المثال يمكن لأي شخص أن يساهم بجنيه إسترليني فقط في الصندوق الذي أسس لدعم النادي الذي ينتمي إليه ليتملك سهماً واحداً في ذلك النادي، على ألا يكون هذا المبلغ قابلاً للاسترجاع كما لا يحق للمساهم أن يبيع سهمه أو يحوله لشخص آخر، أما مؤسسات القطاع الخاص فإنها تحصل على ظهور إعلامي في كل أنشطة النادي ومطبوعاته وغير ذلك من وسائل التسويق المتعارف عليها.

ولكي تتمكن جهة ما ـ سواء كانت أفراداً أو مؤسسات ـ من تأسيس هذه الصناديق فإن عليها أن تضع نظاماً داخلياً قائماً على الديمقراطية في اتخاذ القرارات بما يضمن مشاركة أكبر عدد ممكن من المساهمين، كما يجب أن يكون النظام قائماً على تفعيل نوادي كرة القدم كنوادٍ «اجتماعية» متعددة الأغراض. ولكي تحصل على الدعم فإن عليها أن تكون مسجلة لدى وكالة الخدمات المالية،

وهي وكالة حكومية تقوم بمتابعة هذه الصناديق ومراقبة مدى التزامها بالمعايير التي وضعتها الحكومة، كما يتوجب على مجالس إدارة الصناديق أن ترفع تقريراً مالياً سنوياً ـ أو دورياً إن استدعى الأمر ـ إلى الوكالة، وعليها أن تعين مدققين ماليين معتمدين من قبل الوكالة ويجب أن يكون من بينهم عضوان من أعضاء مجلس الإدارة ممن ليست لهم أي صلة بالنادي المدعوم،

وذلك حتى تضمن الحكومة أن يتم تسخير الأموال في مصلحة المجتمع ككل وليس مشجعي النادي فقط. كما يشترط ألا يكون لأي عضو من أعضاء مجالس الإدارة أية مصلحة مادية مع النادي حتى لا يجيّر أموال الدولة لمصلحته الذاتية وحتى تبقى البيئة التي يعمل بها هؤلاء الأعضاء بيئة غير ربحية تماماً هدفها الرئيسي هو خدمة المجتمع وليس الريع المادي سواء لهم أو للنادي.

ولتنويع مصادر دخل النادي فإنه يحق لأي شخص أن يحصل على عضوية سنوية عن طريق رسم رمزي لا تتجاوز قيمته قيمة تذكرة مباراة واحدة، كما أخذ في عين الاعتبار الطبقات «المحرومة» في المجتمع إن صح التعبير ككبار السن والمعاقين والفقراء الذين لا يستطيعون دفع قيمة الاشتراك، حيث يمنح هؤلاء اشتراكاً مجانياً لإشراك أكبر قدر ممكن من أفراد المجتمع وتحقيق الهدف الأسمى من هذه المبادرة وهو تقوية الروابط الاجتماعية بين الأفراد.

لقد حققت هذه المبادرة نجاحاً كبيراً على المستوى الاجتماعي والرياضي والاقتصادي أيضاً، فلقد أطلقت الحكومة أكثر من مئة صندوق استثماري في مختلف مدن بريطانيا، وأسست 13 نادياً رياضياً لكرة القدم ووفرت دعماً لأكثر من 113 نادياً رياضياً منها على سبيل المثال نادي «الأرسنال» ونادي «مانشستر يونايتد» حيث زودت هذه النوادي بمساحات للعب الأطفال، وغرف لدورات الكمبيوتر ومراكز للتعليم وقاعات للاحتفالات بالمناسبات الاجتماعية وغير ذلك من فعاليات تستقطب المجتمع بجميع أطيافه.

لا أدري إن كنت سأذهب برفقة أسرتي في يوم ما إلى نادٍ اجتماعي لتشجيع أحد أبنائي ـ أو أحفادي ربما ـ في مسابقة رياضية... ولا أدري إن كنت سأسمع أطفال الحي يتحدثون في الطرقات عن استعدادهم لمباراة البطولة التي ستجرى بعد أسبوع... ولكن كل ما أتمناه هو أن يعرف أبنائي أسماء الأطفال الذين يسكنون أول بيت في حيّنا وأولئك الذين يسكنون آخر بيت... من أجل المجتمع ومن أجل الإنسان

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com