من إيجابيات السياسة الأميركية أن صانعي القرار وراسمي الاستراتيجيات العليا دأبوا على عقد اجتماعاتهم في السابعة صباحا حيث يكون رئيس الدولة الأميركية وأعوانه ومستشاروه في حال من النشاط واليقظة مستفيدين في ذلك من فروقات التوقيت التي تفصلهم عن أوروبا والعالم وبما يتيح لهم أن يتابعوا أحدث تطورات المواقف في أركان شتى من المعمورة تكون قد سبقتهم بعدد لا بأس به من ساعات النهار..
في صبيحة الأربعاء، السابع من ديسمبر الحالي، طالع الرئيس بوش الخلاصة التنفيذية، حسب المصطلح الأميركي ، للتوصيات التي طرحها التقرير المشترك بين الحزبين الجمهوري (الحاكم) والديمقراطي (المعارض) المعروف باسم تقرير بيكر - هاملتون وعددها 79 توصية.
عكفت على وضع التقرير، كما هو معروف، لجنة عليا مؤلفة من 10 أعضاء وضمت كما ألمحنا عناصر تجمع بين الحزبين وإن كان من ألمع نجومها السيد جيمس بيكر الذي بدأ حياته في دنيا القانون والأعمال التجارية الكبرى (السوبر - بيزنس) ثم تجلت مواهبه خلال حرب الخليج الثانية (تحرير الكويت) بفضل قدراته المشهودة التي استخدمها، مع قدر محسود من الأناة والصبر والدقة الى أن حقق بناء التحالف الدولي والإقليمي الذي أنجز عملية تحرير الكويت بعد الاجتياح العراقي في مطالع التسعينات..
ولكن ها هو يعاود خدماته لعائلة بوش بوصفه صديقهم القديم المخلص من أيام تكساس حيث تواصلت جهود بيكر وزميله لي هاملتون العضو السابق في مجلس النواب عن ولاية أنديانا.. بهدف الخروج من الأزمة بل هي الورطة التي تواجهها واشنطن إزاء حرب وصفتها وكالة «سي. إن. إن» الإخبارية بأنها «فاقدة لأي تأييد شعبي» بعد أن طال أمدها لأكثر من ثلاث سنوات ونصف وراح ضحيتها من قوات أميركا وحتى يوم السابع من ديسمبر الحالي.. عدد جسيم من الخسائر البشرية قوامه 2916 من الضباط والجنود بخلاف الجرحى والمعاقين ولاسيما بين صفوف المارينز - مشاة الأسطول الذين مابرحت العسكرية الأميركية تعدّهم من قوات الصفوة «المتعوب عليهم» - كما يقال - فيما يتصل بالانتقاء والتدريب والتجهيز و.. التكاليف الجسيمة بطبيعة الحال..
وبقدر ما أحاطت ميديا الإعلام في أميركا والعالم تقرير لجنة بيكر المشار إليه بإطار من الأهمية وتسليط الأضواء - بقدر ما لاحظنا كيف عمدت دوائر الرئاسة الأميركية الى التخفيف من الرهانات والتوقعات التي يعقدها المراقبون، وربما قطاعات شتى من أفراد الشعب الأميركي خوفا من عواقب مجهولة أو من نتائج ليست في الحسبان..
في هذا السياق أعلن الناطق الإعلامي باسم البيت الأبيض أن من الخطأ أن نتوقع أن يشكل التقرير (رصاصة سحرية) بمعنى عصا موسى بحيث يمكن أن تغير الموقف من حال الى حال. مع ذلك فمن مراقبي العاصمة الأميركية وغيرهم في أنحاء أخرى من العالم من بدأوا يتداولون أمر التوصيات ذات الأهمية القصوى التي جاء بها تقرير بيكر - هاملتون. وفي مقدمتها مثلا:
؟ تحويل الجهد العسكري للقوات الأميركية من مهمة الاشتباك والالتحام القتالي (كومبات في الإنجليزية) الى عمليات لوجستية، ذات مفهوم متغير تماما يقضي بإعادة التمركز والمرابطة في مواقع خارج المواقع الحضرية الملتهبة أو المؤذنة بالانفجار الى مواقع أخرى تتيح للقوات الأميركية (ويسمونها من باب المجاملة بقوات التحالف) إمكانية، أيّ إمكانية، للدفاع عن نفسها مع ترك التورط في معالجة أوضاع الأمن بالجانب العراقي، الذي وصفته الإندبندنت البريطانية (عدد 6/12) بأنه «الجحيم الآن» على اسم الفيلم الشهير.
؟ مواصلة الحوار بصورة مختلفة ومعظمها تحت السطح أو خلف كواليس الأبواب المغلقة مع أهم القوى الفاعلة في ساحة الشرق الأوسط وفي مقدمتها كل من سوريا وإيران.
صحيح أن آلة الإعلام الرسمي الأميركي لا تلبث تصدر نفيا هنا أو إنكارا هناك بالنسبة لمثل هذه «المفاتحات أو المقاربات أو التربيطات السياسية» إلا أن الصحيح في تصورنا أن واشنطن وصلت الى قناعة مؤداها أنه لا سبيل لاستقرار الموقف وهو ما يرادف تجنب مزيد من خسائر أميركا في القوات أو الأموال أو السمعة الدولية سوى بالاعتراف بدور محوري تضطلع به العناصر المحلية أو القوى الإقليمية في الشرق الأوسط وبما يكفل لأميركا تنفيذ سياسة الخروج المأمولة من الآتون العراقي.
ولقد نحيل في هذا الشأن الى رأيين: الأول قال به مفكر عربي الأصل هو البروفيسور عمرو حمزاوي كبير الباحثين بمؤسسة كارنيجي الدولية للسلام (في تصريحات لإذاعة بي. بي. سي البريطانية) وربط فيه بين التحول الى التمركز الدفاعي من جانب القوات الأميركية خارج المدن العراقية وبين توخي هدف محوري تطمح اليه القيادة الأميركية من أجل الحيلولة دون تحويل الهزيمة العسكرية في العراق الى هزيمة سياسية للقوة العظمى الوحيدة في العالم وهو ما يعيد الى الذهنية الجماعية الأميركية ، فضلا عن ذاكرة العالم، أصداء الورطة الأميركية السابقة في أدغال فيتنام..
أما الرأي الثاني فقد نشره الأستاذ «ريتشارد ن. هاس» رئيس مجلس العلاقات الخارجية ويعدونه من حكماء السياسة الخارجية في واشنطن (مقالة في أحدث أعداد فصلية الشؤون الخارجية «فورين أفيرز») مؤكدا فيها «أن الحقبة القادمة من تاريخ الشرق الأوسط تنطوي على دور أقل للعناصر الفاعلة الخارجية بينما يكون للعناصر والقوى المحلية في المنطقة اليد العليا بالنسبة لتغيير الأوضاع».
في نفس السياق يحذر وزير الدفاع الأميركي المستجد، غيتس من مغبة «اندلاع حريق إقليمي شامل في منطقة الشرق الأوسط».. ويلاحظ أن هذا التحذير - الخطير كما نراه - أعلنه غيتس خلال مثوله أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في جلسة إقرار التعيين في منصبه الرفيع فضلا عن إعلانه بأنه «منفتح» أمام كل الخيارات المطروحة في العراق بما في ذلك الخيار المتعلق باحتمال إنهاء الحرب هناك. بل زاد الوزير المرشح موضحا أن أميركا لا تتجه نحو هدف كسب الحرب وأنه ضد مهاجمة «إيران أو سوريا».
وعندنا أن هذه التصريحات تصبّ في نفس القنوات التي شقتها لجنة بيكر - هاملتون لاسيما وأنها صادرة عن مسؤول كبير حرص على تجنب الوعود البراقة وعدم تجميل صور الموقف العسكري على الأرض مما تحولت معه جلسة كسب التأييد والتثبيت في الكونجرس الى جلسة مصارحة ومكاشفة لدرجة وصفتها النيويورك تايمز مؤخرا بأنه اتجاه اللارامسفيلد بمعنى عكس كل ما كان يمثله وزير الدفاع السابق.. فضلا عن أن الوزير المستجد (63 عاما) يستند الى خبرة طويلة في عالم المعلومات والاستخبارات ظاهرة وباطنة خدم خلالها 6 إدارات رئاسية انتهت بداهة الى معسكري الجمهوريين والديمقراطيين على السواء.
يلاحظ أيضا أن هذه المستجدات تأتي في سياق التحول الذي نرصده من جانبنا عن مدرسة المحافظين الجدد وربما كان آخرهم السيد بولتون الذي ترك مؤخرا موقع تمثيل بلاده مندوبا لأميركا لدى الأمم المتحدة. ولصالح طروحات اقرب الى مدرسة الواقعية التي يقف على رأسها هنري كيسنجر نفسه وذلك أمر سبق وأن تناولناه خلال العرض الذي قدمته «البيان» لكتاب المفكر الأميركي الياباني الأصل فرانسوا فوكوياما الذي نشره في ربيع العام الحالي بعنوان «أميركا عند مفترق الطرق» وقد اعتبره الخبراء مؤخرا على رأس قائمة أهم الكتب السياسية الصادرة في عام 2006.
مع هذا كله فليس لأحد أن يتصور أن واشنطن قد اختارت تغيير سياساتها العسكرية في العراق عن طيب خاطر أو بدافع من مروءة مباغتة.. إن ثمة جرحا آخر ما برح ينزف في بنية السياسة الخارجية الأميركية اسمه أفغانستان حيث تدور حرب لا يكاد يتابعها أحد بل سبق لأركان المحافظين الجدد - في دوائر البنتاغون وغيرها - أن أطلقوا عليها اسم «الحرب الطيّبة» بمعنى أنها ميسورة الإدارة ومضمونة الانتصار.
لكن ها هي نيويورك تايمز تنشر افتتاحيتها (عدد 5/ 12) تحت عنوان «عندما نخسر الحرب الطيبة» وتشير فيها الى شعور عام من الإحباط يسود الأوساط المعنية إزاء عجز إدارة الرئيس قرضاي عن النهوض بمهام الأمن في أفغانستان، وإزاء فساد ضارب أطنابه في مرافق البلاد، وإزاء فشل تدريب قوات الأمن المحلية رغم إنفاق مليار دولار على أغراض هذا التدريب، وإزاء تزايد زراعة الأفيون بمعدل 60 في المئة في عام 2006، وإزاء تقاعس شركاء حلف الناتو عن مد يد التعاون الذي تطلبه أميركا في مجال القوات والمعدات، وإزاء استغلال دوائر من القطاع الخاص في كل من أفغانستان وأميركا لهذا الموقف الذي أفضى الى زعزعة الاستقرار وانعدام الأمن واشتداد ساعد القوى المحلية المعادية.
ولقد تكون أفغانستان بلدا أقصته الظروف عن محور اهتمامات العالم.. لكن قدرات وآليات الاتصال العالمية التي تنقل الأخبار والمعلومات آنيا ولحظيا الى شتى أركان قرية العولمة الكوكبية - هذه الآليات تتردد معها أصداء ما يحدث في جبال أفغانستان الى حيث تؤثر بالضرورة نفسياً وعسكرياً على ما يحدث في ساحات العراق.
كاتب مصري