انعكست أزمة الطاقة بشكل واضح على القمة الأوروبية ـ الروسية التي انعقدت منذ أيام في هلسنكي لبحث تجديد اتفاق الشراكة والتعاون بين الجانبين،هذا الاتفاق المتعثر تجديده بسبب رفض روسيا القاطع لتوقيع ما يسمى بميثاق الطاقة الأوروبي باعتبار أنه تدخل صريح في سياسة روسيا الداخلية لإنتاج وتصدير الطاقة وخاصة الغاز الطبيعي الذي تستورد أوروبا من روسيا نحو 30% من حاجته منه.
هناك تخوفات شديدة لدى الأوروبيين من احتكار روسيا لتصدير الغاز إليهم، وإصرار الكرملين في موسكو على فرض سيطرة الدولة على هذا القطاع، والذي تنتج منه روسيا وحدها 29% من الإنتاج العالمي،وزادت المخاوف الأوروبية أكثر بعد الاتفاق الذي وقعته روسيا مع الجزائر في قطاع الغاز أثناء زيارة الرئيس بوتين للجزائر في مارس الماضي،باعتبار أن أوروبا تعتمد على وارداتها من الغاز الجزائري بنسبة 14% وعلى الغاز الروسي بنسبة 30%، وترددت في الغرب الشائعات حول سعي روسيا لتأسيس أوبك جديدة للغاز شبيهة بأوبك النفط التي عانى منها الغرب كثيرا في أعقاب حرب أكتوبر1973.
الأمر الذي جعل بعض المتخوفين من هذه الهيمنة الروسية يقولون إن روسيا ممكن أن تغرق أوروبا في الصقيع البارد إذا ما قررت قطع الغاز عنها،وزاد من هذه المخاوف أزمة الغاز التي وقعت بين روسيا وأوكرانيا في يناير الماضي عندما قررت روسيا رفع سعر الغاز على أوكرانيا أربعة أضعاف ليصل إلى السعر العالمي بعد أن كانت أوكرانيا تحصل عليه بسعر مخفض كمساعدة لها،واستغلت واشنطن هذه الحادثة للترويج لدعايتها المضادة ضد روسيا محذرة الأوربيين من زيادة تغلغل النفوذ الروسي في أوروبا عن طريق سلاح الطاقة.
إنتاج الغاز الروسي تتحكم فيه شركة واحدة تسيطر عليها الدولة،وهي شركة «غاز بروم»الروسية العملاقة التي تتحكم وحدها في نحو 84% من إنتاج روسيا من الغاز الطبيعي، وهي الشركة التي أفلتت من عملية الخصخصة التي تمت في روسيا خلال التسعينات في عهد الرئيس السابق يلتسين، وبقيت حصتها الأساسية ملكا للحكومة الروسية التي تملك أكثر من50 %من أسهمها، وقد أعلن الرئيس بوتين منذ توليه الحكم في الكرملين أن شركة غاز بروم لن تتم خصخصتها بالكامل لأنها شركة سوبر إستراتيجية كالقاطرة التي تجر الاقتصاد الروسي ولهذا فستبقى تحت سيطرة الدولة، ويفرض ميثاق الطاقة الأوروبي الذي رفضت روسيا التوقيع عليه شروطا تطالب بالسماح بحجم كبير من الاستثمارات الأجنبية الأوروبية في قطاع الغاز الروسي يسمح للأوروبيين بالمشاركة في إدارة هذا القطاع والاستثمار في الإنتاج الروسي والتحكم في خطوط نقل الغاز من الشرق عبر الأراضي الروسية لأوروبا وكسر احتكار شركة غاز بروم لإدارة هذا القطاع والهيمنة عليه.
وكان خوسيه مانويل رئيس المفوضية الأوروبية قد التقى مع الرئيس الروسي بوتين لإقناع روسيا بالتوقيع على ميثاق الطاقة، وخرج مانويل من اللقاء ليقول للصحفيين: «على ما يبدو أنه لا فائدة من الحوار لأن روسيا تتعامل مع قطاع الغاز عندها على أنه قدس الأقداس غير المسموح للأجانب الاقتراب منه»، وأضاف مانويل قائلا :«روسيا لن توقع على ميثاق الطاقة الأوروبي وعلى الأوربيين أن يبحثوا عن حل آخر لأن الروس يملكون معظم أوراق اللعبة نظرا لحاجة أوروبا الملحة للغاز الروسي»، وقال مانويل :إنه يخشى إذا أصر الأوروبيون على موقفهم أن تنفذ روسيا تهديدها بنقل إنتاجها من الغاز لأسواق أخرى تحتاج إليه في أسيا ومناطق أخرى وقد جاء اتفاق شركة غاز بروم مع شركة الغاز الوطنية الجزائرية سوناطراك في مارس الماضي ليزيد حالة الرعب الأوروبي تجاه تنامي نفوذ هذه الشركة الروسية العملاقة، وكتبت صحيفة الجارديان البريطانية تقول إن غاز بروم الروسية تسعى الآن وبعد اتفاقها مع الشركة الجزائرية لتأسيس أوبك جديدة للغاز يحتكر أسواق أسيا وأوروبا،وسيكون أقوى بكثير من أوبك النفط لأنه سيكون في يد دولة واحدة هي روسيا ولن يستطيع أحد معارضتها أو مقاومتها.
وكتبت صحيفة (وول ستريت جورنال) تقول إن بوتين يريد القضاء السوق العالمية الحرة للطاقة،وقد بدأ بالفعل ينفذ سياساته لتحقيق هذا الهدف داخل روسيا بفرض هيمنة الدولة على قطاعي الغاز والنفط، ثم توجه للسوق العالمي مستخدما شركته العملاقة غاز بروم واتفاقاتها مع شركات الدول المنتجة للغاز مثل الجزائر وتركمانستان وإيران وغيرها لتكوين احتكار عالمي لإنتاج الغاز وتصديره يشبه إلى حد كبير منظمة أوبك النفطية، وستتحكم فيه بالطبع شركة غاز بروم بإنتاجها الكبير وخطوط أنابيبها الممتدة شرقا وغربا، وتقول الصحيفة الأميركية أيضا :«للأسف الشديد أن بعض الدول الأوروبية باتت تحت حاجتها الملحة للطاقة تدور في فلك روسيا وتدخل معها في اتفاقات ثنائية خارج إطار الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا التي أصبحت تعتمد بنسبة 40% على الغاز الروسي، وأيضا فرنسا التي أعجبها كثيرا سياسة الدولة المركزية في روسيا التي أحكمت قبضتها على قطاع الطاقة». نمو نشاط شركة غاز بروم الروسية يثير الرعب لدي الكثيرين في الغرب حيث تسعي الشركة للتنسيق مع كبار منتجي الغاز في العالم،وقد التقى أليكسي ميلر رئيس شركة غازبروم في أكتوبر الماضي في موسكو مع وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم لمناقشة سبل التنسيق والتعاون معها في أسواق الغاز العالمية، باعتبار أن قطر هي ثالث منتج للغاز في العالم.
هناك جهات محددة لا تريد لروسيا النهوض والهيمنة على مواردها وثرواتها الطبيعية، ولا تريد لها أن تبني علاقات جديدة مع دول العالم على أسس حديثة ومتطورة بعيدة عن الأيديولوجيات والإستراتيجيات الخاصة، والخوف والقلق لدى البعض من دخول روسيا القوى لأسواق الطاقة العالمية ليس له أي مبرر، والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها أن غاز بروم اتفقت مع الشركة الجزائرية سوناطراك على أن يكون تعاملهم معا في الأسواق العالمية للغاز بموجب التعاقدات طويلة الأجل فقط،وهي التعاقدات التي تضمن ثبات الأسعار لسنوات طويلة قادمة، وترفضان سياسة تحرير الأسعار ونظام البيع بالصفقات الفورية لأنه يجعل السوق عرضة للتقلبات والاضطرابات.
ويمكن وصف سياسة غازبروم بأنها سياسة نشيطة وشريفة وليست سياسة عدوانية أو سيئة النية، بل سوء النية موجود لدى البعض في الغرب الذين يريدون فرض شروط المستهلك على المنتج، فهل يقبلون ذلك في قطاع النفط، إنهم يريدون من روسيا أن تبرم معهم عقوداً قصيرة الأجل حتى تذهب لتنفق المليارات على الإنتاج وخطوط أنابيب النقل ثم يعودوا ليفسخوا العقود ويكبدوها خسائر فادحة،وسياستهم هذه هي التي ستدفع روسيا مع منتجي الغاز الآخرين لتكوين احتكار قوي، وليسمونه هم أوبك جديدة للغاز أو كما يشاؤون يسمونه فهم الخاسرون في النهاية بلا أدنى شك.
جامعة سيبيريا
