لاشك ان هناك اجماعا قويا على ان تقرير بيكر ـ هاملتون تبنى لغة الرئيس جورج بوش في تحديد أن الهدف هو تمكين العراق من «حكم نفسه، والبقاء بإمكانياته، والدفاع عن نفسه»، لكنه بالمقابل واجه بوش بحجة قوية تؤكد أن سياسته في العراق معطوبة وأن عليه أن يتحرك صوب كل الاتجاهات.
الولايات المتحدة، تعرف أنها فشلت عسكريا وسياسيا في العراق، وأنها لم تعد قادرة على إكمال المهمة، ولديها الآن 3 خيارات اما الانسحاب في غضون أشهر، البقاء إلى الأبد مما يتطلب زيادة دراماتيكية في حجم القوات، أو الانسحاب إلى قواعد «آمنة» داخل العراق وتقديم المساعدة لمليشيات الحكومة العراقية. العراق يندرج، حسب الاستراتيجية الأميركية في إطار «الحرب ضد الإرهاب»، فان الانسحاب في غضون وقت قصير، سوف يعني إعلانا بالفشل، وسيهز مكانة الولايات المتحدة في العالم، ويهدد بقاء إسرائيل، كما يهدد استقرار الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة. وهكذا فان الانسحاب السريع ليس خيارا.
ومن الواضح أن الولايات المتحدة تسعى إلى الخروج من المأزق العراقي، وتريد أن ترمي بالكرة في أحضان قوات الأمن العراقية خاصة وأن عدد قتلى الجيش الأميركي في تزايد مستمر، وهو ما يشكل ضغطاً على إدارة بوش ويدفعها للتنازل عن بعض أهدافها التي أتت من أجلها إلى العراق، وبذلك فإن المهمة الرئيسية للجيش الأميركي في العراق سوف تقتصر في المرحلة المقبلة على دعم الجيش العراقي الذي سيتولى العمليات القتالية، وهذا بطبيعة الحال سيزيد من أعداد القتلى في صفوف الجيش العراقي وسيقلل من عدد القتلى في صفوف الجيش الاميركي.
لكن من الأمور الإيجابية في تقرير بيكر ـ هاملتون تسليطه الضوء على النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ورأى التقرير أنه يجب وضع حد للنزاع العربي الإسرائيلي لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وقد كانت النتيجة الميدانية موافقة إيهود أولمرت على مشروع الهدنة المقدم من حماس، ولذلك فمن المتوقع في الأشهر القادمة العودة إلى المفاوضات وربما العودة لخارطة الطريق كخطوة لتنفيذ توصيات التقرير.
هذا التقرير كشف الواقع المتدهور في الشرق الأوسط، وفي حالة الأخذ بتوصيات هذا التقرير فإن الولايات المتحدة مطالبة بتغيير سياساتها واستراتيجياتها في الشرق الأوسط، فلا يمكن بأي حال من الأحوال معالجة الأزمة لوحدها فهي بحاجة إلى مساعدة وتدخل من قبل الدول المجاورة للعراق، فالعراق بحاجة إلى مساعدة من إيران وسوريا من جهة وبحاجة إلى مساعدة من الأردن ومصر والسعودية من جهة أخرى.
التقرير وصف من قبل الرئيس الأميركي جورج بوش بأنه تقييم قاس، لأنه كشف عن أخطاء استراتيجية كبيرة ارتكبها، فاحتلال العراق كان أكبر الأخطاء والحرب الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة على لبنان كانت أيضاً من الأخطاء الفادحة، وأمام أميركا الآن فرصة لتصحيح أخطائها ولا يكون ذلك الا بتقديم تنازلات أولها الانسحاب من العراق وثانيها تسوية النزاع العربي الفلسطيني .
وبالنسبة لبوش فإن قبول توصيات اللجنة سيعني قبوله ضمنا بالانتقادات الموجهة ضد أجندته بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، والقيام بقلب المسار في العراق رأسا على عقب وتغييره في كل الشرق الأوسط والالتقاء مع الحزب الديمقراطي في منتصف الطريق.
وفي حالة عدم استعداد بوش للمضي مع توصيات اللجنة، فإنه يواجه سؤالا أكثر عمومية يتعلق فيما إذا كان مستعدا لقبول روحية التقرير، ويقوم بوضع مقاربة جديدة خاصة به تتجاوز رؤيته الحالية على المستوى العالمي.
ووفق ذلك، فان أسباب فشل المشروع الأميركي في المنطقة يعود بشكل أساسي إلى ما ميّزه من غموض في الأهداف والغايات، فقد طرح إلى العلن أن أهداف المشروع تتلخص في نشر الديمقراطية وبناء دول حديثة وعصرية موالية للولايات المتحدة الأميركية، لكن النتائج كشفت وجود خلل خطير في الاستراتيجية الأميركية. وقد يبدو وجيهاً الرأي القائل بأن الأهداف الكامنة، وغير المعلنة، للمشروع تتجسد في زعزعة استقرار دول المنطقة ونشر الفوضى فيها، حماية لأمن إسرائيل، وضماناً للسيطرة على خطوط وإمدادات النفط، وتخويفاً لدول الجوار بتقويض السلم الأهلي فيها.
benhadnal@yahoo.fr