حين ترد كلمة الجدار على لسان متحدث يتبادر إلى ذهن السامع الجدار الذي بدأ شارون في إقامته لعزل الفلسطينيين عن إسرائيل، وهو الجدار الذي أدانت محكمة العدل الدولية في لاهاي تشييده لعدم انسجامه مع روح العصر من ناحية، وللتجاوز الذي حصل على الأراضي الفلسطينية من ناحية أخرى.

إلا أن فكرة الجدار كحاجز أمني تمليه الضرورات في بعض الأحيان ليست حديثة، فقديماً كانت معظم المدن في العالم محاطة بأسوار لها بضع بوابات تغلق عادة في وقت محدد من المساء لا يُسمح بعده بخروج أو دخول أحد إليها. وهناك أسوار اشتهرت بأهميتها التاريخية وأصبح ما تبقى منها مرفقاً سياحياً يزوره سنوياً عشرات الآلاف من الناس من مختلف بقاع العالم، كما هو الحال مع سور الصين الذي شيد لأغراض الحماية من غزوات قبائل الهَون ومن ثم قبائل المغول التي كانت تأتي من الشمال.

أما في بلاد الإغريق القديمة، فقد كان الجدار يشيد حول المدينة ويمتد حتى أقرب ميناء على ساحل البحر وذلك لتأمين انفتاح المدينة على البحر حتى في حالة حصارها. فمصطلح الجدران الطويلة يرتبط بالجدران التي ربطت مدينة أثينا بموانئها، وهي جدران شيدت في القرن الخامس قبل الميلاد وهدمت وأعيد بناؤها أكثر من مرة. وقد وضعت بعض الدول حواجز قاتلة لمن يقترب منها ويلمسها، فقد وضع الفرنسيون على الحدود التونسية الجزائرية سياجاً مكهرباً إبان الثورة الجزائرية لمنع تسلل الجزائريين من تونس لإسناد ثورتهم. وأقامت جنوب إفريقيا على حدودها مع موزمبيق وزيمبابوي حاجزاً كهربائياً راح ضحيته الكثيرون، ولم يتم التخلص منه إلا في ديسمبر من عام 2002 حين وقع رؤساء الدول الثلاث اتفاقية أزيل بموجبها هذا الحاجز.

والجدار كحاجز بين منطقتين أو دولتين لا يقام عادة باتفاق الجهتين وإنما بسبب الاختلاف بينهما وتخوف من يقيمه من مخاطر قد تأتيه من الطرف المجاور. إلا أن هذه المخاطر لم تعد مخاطر أمنية كما كان الحال في الماضي البعيد، فالجدران أصبحت تقام لأسباب أخرى. فأوروبا لديها بعض الأراضي في القارة الإفريقية تحرص على منع الأفارقة من الدخول إليها، فمدينتا سبتة ومليلة اللتان تقعان داخل الأراضي المغربية وتحتلهما إسبانيا أحيطت كل منهما بسياج يبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار دفع الاتحاد الأوروبي تكلفة إقامته التي بلغت قرابة ثلاثين مليون دولار لكل سياج وذلك لحماية أوروبا من النازحين إليها من الأفارقة عبر هاتين المدينتين.

ويفصل أوروبا عن آسيا جدار شيد عام 1974 يفصل بين قبرص اليونانية التي انتمت للاتحاد الأوروبي وقبرص التركية التي تقف راعيتها تركيا على رصيف المحطة منذ ما يزيد على الربع قرن في انتظار القطار الذي يوصلها إلى الاتحاد الأوروبي. وجميع الجدران والحواجز التي أقيمت هنا أو هناك كان الغرض من إقامتها هو إبقاء أناس في الخارج لأنهم يهددون أمن ومصالح من هم في الداخل، من وجهة نظر من قرر إقامتها.

إلا أن هنالك جداراً واحداً قد شيد لأغراض أخرى وهي إبقاء الأناس في الداخل ومنعهم من الخروج وهو جدار برلين الذي قسم المدينة إلى شطرين بعد أن تزايد عدد الهاربين من شرقها إلى غربها. وقد شيد هذا الجدار في أغسطس من عام 1961 بأمر من الرئيس الألماني الشرقي والتر أولبرخت عند تصاعد التوتر بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق.

هنالك حواجز وأسوار وجدران يصعب تعدادها فهي كثيرة جداً في جميع القارات وبأشكال متعددة، وقد دفع الآلاف من الناس حياتهم محاولين اجتيازها وتحدي وجودها. إلا أن إزالة هذه الحواجز رهن بإزالة الحواجز غير المرئية التي تكمن في عقول الناس الذين ينتمون إلى ثقافات وحضارات مختلفة عجزت الأيديولوجيات المعاصرة عن تفهمها وبناء الجسور الرابطة بينها، فترجمت هذه الحواجز غير المرئية إلى حواجز وأسوار وجدران مادية.

كان سقوط جدار برلين مؤشراَ على بدء عصر جديد انتهت فيه الحرب الباردة وتفاءل الكثيرون بما هو قادم، وبدأ العالم يشهد لأول مرة ملامح عالم ترسمه علاقات من نوع جديد على مختلف الأصعدة، تكمن وراء صنعه قوة خفية جرى الاتفاق على إطلاق مسمى العولمة عليها. والعولمة في جوهرها تعني عالماً بلا جدران، فضاءً رحباً يسمح بالنمو الاقتصادي وبالتداخل الثقافي وبالمشاركة الواسعة في إبداء الرأي والمساهمة في الحوار حول شتى القضايا، ويسمح بالتكامل في شتى أنشطة الحياة. وهي من حيث المبدأ تتعارض مع السعي للانغلاق داخل جدران وأبواب موصدة، فالعولمة تمد جسوراً ولا تشيد جدراناً صماء.

وفي الوقت الذي تفرض العولمة نفسها كعملية انفتاح العالم على نفسه من خلال توسع في شبكة الإنترنت العالمية وتعاظم أعداد مستخدميها في كل بقاع العالم، وزيادة المكالمات الهاتفية الخارجية، وزيادة معدلات السفر بين الدول بشكل ملحوظ، وتعاظم حجم الأموال المتنقلة عبر المنافذ المصرفية، والتبادل في المعلومات بسرعات غير محدودة، وزيادة انسياب البضائع والتكنولوجيا والخدمات ورؤوس الأموال، نرى أن هنالك حواجز وجدراناً بدأت تنتصب هنا وهناك مهشمة دينامية هذا الانفتاح ومعرقلة خطى العولمة. فكل شيء يجري كما لو أن هذا الانفتاح الذي اتسعت دائرته بسرعة مع بداية الألفية الثالثة قد أيقظ مارداً يتحداه ويرفض هيمنته كردة فعل عملية معاكسة وهي التوجه نحو الانغلاق، إنه في الحقيقة معضلة الصراع بين نقيضين، الانفتاح والانغلاق في إطار ديالكتيكي.

فقد بدأت بعض الدول مؤخراً في إقامة حواجز على حدودها مع الدول الأخرى، وأطول هذه الحواجز هو ما تعتزم الولايات المتحدة إقامته مع جارتها الجنوبية المكسيك، وهو حاجز يبلغ طوله 3200 كيلومتر، وذلك لوقف الهجرة غير المشروعة القادمة من الجنوب، مما كان له أسوأ الأثر على العلاقات الأميركية المكسيكية حيث يوجد عشرة ملايين مكسيكي في الولايات المتحدة أسهموا بدور هام في بناء الاقتصاد الأميركي. والحواجز ليست بالضرورة جدران مصنوعة من القوالب الإسمنتية الكالحة اللون، فهنالك عرقلة للمرور وتضييع للوقت وخدش للكرامات بدأت مطارات ونقاط العبور البرية تسلطها في عدد من الدول على من هم من بلدان عربية وشرق أوسطية.

هنالك مدعاة لتساؤلات كثيرة حول دور العولمة في إعادة صياغة العلاقات بين الشعوب، فهل هي قوة حقيقية لتنمية الاقتصاد العالمي وعكس هذا النمو على واقع الدول النامية، وهل هي قوة حقيقية لتقريب العالم من بعضه، وهل هي قوة حقيقية تسهم بوضع العالم أمام فرص أوفر للعيش بسلام.

أم هي قوة جديدة ذات أذرع أكثر كفاءة تساعد اللاعب الكبير في ساحاتها على استنزاف المزيد من موارد الدول النامية دون مقاومة تذكر، إذ ليس أمام هذه الدول في أطر العلاقات الدولية الحالية إلا التبعية لإستراتيجيات الاقتصاد العالمي الذي ترسم آفاقه مؤسسات لم تسهم في الماضي إلا في زيادة ديون الدول النامية وتدمير اقتصادها، وهي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae