«وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر»..هذا حال من يعيش في عتمة الرؤية دون أن يهديه الله إلى مبعث نور البصيرة، وبيت القصيد أن دولتنا الحبيبة تتلمس كل يوم طريقاً جديداً ملهماً نحو تغيير أفضل لواقعنا المعاش من خلال بعض السياسات والقوانين التصحيحية ولا سيما المتعلقة بأوضاع الموظفين الذين يمثلون شريحة مهمة في المجتمع،

وهناك اجتهادات ملموسة وفي أكثر من مجال تطالعنا بين الحين والآخر لإنصاف بعض المهن التي تصنف بالمتعبة كما هو حال المدرسين على سبيل المثال، بل هناك توجه غير منكر في بعض الإمارات تحفه جدية الرغبة لإحداث نقلة نوعية تنويرية لتطوير مهارات و كفاءات الكوادر الوطنية الفنية منها والإدارية، والعمل على خلق صف ثان من القياديين التنفيذيين بالارتقاء بهم وتزويدهم بالأساليب الحديثة في وضع الاستراتيجيات والسياسات العامة.

وعلى مستوى الحكومة الاتحادية تعمل وزارة تطوير القطاع الحكومي على استنهاض بعض الوزارات من خلال مشروع إعادة هيكلة الوزارات القديمة في إطار متكامل لإصلاح الترهل الذي تعاني منه بعضها، وذلك بوضع معايير لقياس أداء الموظفين، وإمكانية تدويرهم بما يتناسب واحتياجات كل وزارة،

إضافة إلى أن الوزارة عملت على إعداد مشروع توصيف شامل لجميع الوظائف في الحكومة الاتحادية بما يحدد واجب كل موظف، ويمنع تنازع الاختصاص، الأمر الذي يرسي مبدأ الشفافية في العمل، ويقنن واجبات ومسؤوليات كل موظف بعيداً عن الضبابية التي غلفت أداء البعض في ظل عدم دقة تحديد المهام المنوطة به، مما كان له التأثير السلبي في هدر طاقات البعض وظهور مصطلح «البطالة المقنعة»، ناهيك عن سوء إدارة الأفراد باستغلال غير أمثل لإمكاناتهم.

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة الاتحادية هو رفع نسبة التوطين في هذا القطاع والتي بلغت مؤخراً 28,53 فقط أي لا تزال حتى الآن غير ملبية للطموح والهدف، وربما من الأسباب التي أدت إلى انحسار الإقبال على العمل في القطاع الحكومي هو عدم تشجيع هذا القطاع لاستقطاب الخريجين والخريجات نظراً لتكدس الموظفين على نفس الدرجات مما لا يتيح أية فرص أمام موظفين جدد،

وبالعودة إلى الخريجين نجد أن تشابه التخصصات لا يلبي طموح هذه المؤسسات وبالتالي العودة إلى تشريح مشكلة مخرجات التعليم وطموح سوق العمل وكأننا ندور في حلقة مفرغة. إذن أمام الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية برنامج حافل لإثبات حقيقة مفادها أن عملية الإصلاح المستهدفة للتطوير الوظيفي لا بد أن تنطلق من رأس الهرم وليس من القاعدة، بل ان تغيير العقليات التنفيذية هو المطلب الأهم في أولى المراحل،

لذلك من المهم وجود قيادات وطنية بنّاءه تستلم زمام التحرك في سبيل الارتقاء بالموظفين، وتبادر بتبني قرارات شجاعة لتمكين الموظف من تولي مهام محددة تنمي من مقدراته وتعزز من ولائه للعمل، وهذا يتطلب بناء جسور من الثقة في الشباب المواطن الذي عانى بعضه من التهميش لسنوات، وبخاصة أصحاب المؤهلات العلمية العالية أو من لديهم خبرات طويلة في تخصصاتهم، إضافة إلى أهمية تشجيع الدماء الجديدة التي تمتلك الحماسة لدفع عجلة التغيير،

مما يترتب عليه ثورة متكاملة البنى وليس انتعاشة قصيرة الأمد. وإذا عدنا إلى الوضع القائم سنجد الكثير من المشاهدات والخيبات التي اعترت مسيرة عملية التطوير على مدى سنين ثقال مرت على البعض دون أن يحظى بفرصة واحدة للتدريب أو التأهيل من خلال دورات مهنية مكثفة، بل بعضهم وصل إلى مرحلة التقاعد دون أن يتلقى أي جرعة تدريبية،

ومن أسف أن يتسرب اليأس إلى نفس الموظف ويفقد معه الحافز للإبداع أو التطوير الذاتي، بل يعتبر البعض أن عدم الإلمام بمفهوم التغيير والتطوير في المؤسسات الحكومية أصبح عقبة أمام عملية التطوير الوظيفي نفسها وبخاصة حين يسند الأمر إلى غير أهله، وهذا ما نجده في تلك الدورات الجوفاء التي لا يستفيد منها الموظف سوى تبديد ساعات العمل، وفي ظل السياسات الجديدة التي ستضع معايير لأداء الموظف ومن ثم تطبيق مبدأ الثواب والعقاب، فإن من الظلم أن يستمر حال التطوير على النهج القائم وبالتالي نعلق أخطاء الكبار على مشجب صغار الموظفين.

من ناحية أخرى عمدت بعض المؤسسات في سبيل التطوير إلى تطعيم كوادرها ببعض الخبراء الأجانب الذين تحملوا جزئية التخطيط للتطوير، وبعضهم أسندت إليه مسؤولية التخطيط والتنفيذ معاً، وأنيطت بهم المهمات الصعبة التي من صعوبتها احتاجت جلب المزيد من الأجانب كي يضمنوا مستوى من حرفية المهنة لا تتوافر في الموظف المواطن،

وباستمرار الادعاءات بركاكة المستوى تفاقمت العلل في هذه المؤسسات ولا تزال تدفع ثمناً باهظاً لعقدة الأجنبي، الذي يكلفها سنوياً مبالغ طائلة ولا يقدم لها إلا ما يقدمه زميله المواطن، بل يتلقى هؤلاء الأجانب الدورات التأهيلية ذاتها، ولن نفاجئ إذا وجدنا بعضهم حديث عهد بالعمل وخبراته متواضعة أتى من أجل الاسترزاق البحت وليس من أجل عيون الوطن،

الأمر الذي يثير لغطاً وحنقاً بين الموظفين العاجزين عن إثبات جدارتهم إلا من خلال هذا الأجنبي، ويتبع ذلك بالضرورة استمرارية فاشلة لعملية التطوير التي نسفت الثقة في الكوادر الوطنية وأسقطتهم من حساباتها، لدرجة أن هذه المؤسسات أدت في طريقها المنشود للتغيير العديد من المشاريع الشبابية الواعدة، وهدرت الوقت والمادة على الابن الضال.

من أهم شروط التطوير المهني المنشود، الاستثمار في تنمية المواهب والقدرات وإدارتها من خلال إدارة متخصصة للموارد البشرية، تكون على مستوى رفيع من الوعي وليس مجرد واجهة لا تملك الاستراتيجيات لهذا الاستثمار، فالإدارة الناجحة عادة ما تشكل الخطوة الأولى لنجاح المؤسسة،

إضافة إلى ذلك أهمية وجود إدارة مالية تكون بمثابة الحليف الداعم لتوجهات إدارة الموارد البشرية بخاصة وان عملية التطوير مكلفة وتتطلب تفهماً من قبل هذه الإدارات التي تعجز بعضها عن توفير حواسيب للموظفين والذي يعد في عصرنا من أبسط مقومات العمل. أيضاً من الشروط التي تحقق تطوراً مهنياً، هو إتاحة الفرص المتكافئة للجميع وإكسابهم الخبرة بأحدث التقنيات والممارسة.

أخيراً لا بد من تعميم التجارب الناجحة بين الإمارات حتى لا يشعر المواطن بأنه أقل شأناً من زميله في إمارة أخرى.

كاتبة إماراتية