هل هي مصادفة أن تنال إسرائيل صفعتين من الولايات المتحدة في أسبوع واحد؟ أم ينطوي الأمر على بشائر صحوة ضمير متأخرة في واشنطن بفعل الانتكاسات التي تعرضت لها أميركا في المنطقة؟
بالترتيب الزمني كان الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر صاحب الصفعة الأولى حينما أصدر أوائل ديسمبر الحالي كتابا عنوانه «فلسطين: سلام أم فصل عنصري؟».. العنوان في حد ذاته مطابق لعنوان كتاب صدر بالانجليزية والفرنسية للباحث الفلسطيني مروان بشارة أواخر أبريل الماضي،
وبعيدا عن التماهي الذي حدث صدفة بين باحث فلسطيني ورئيس أميركي أسبق فإن كارتر يكسر جدران الخوف من سطوة اللوبيات الإسرائيلية داخل المجتمع الأميركي ويقول فيه بصراحة غير مسبوقة «لا أعلم لماذا الحال كذلك. لا نسمع شيئاً أبدا عما يحدث للفلسطينيين من الإسرائيليين.
فحقيقة الأمر أنها أسوأ حالات الاضطهاد في العالم. لقد انتزعت الأراضي الفلسطينية من أصحابها... والآن يتم تغليف أو سجن حول ما تبقى من جزء ضئيل من الضفة الغربية...الناس محاصرة. وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوق الإنسان الأساسية حقا أمر مروع وهذه حقيقة معروفة في كل أنحاء العالم».
كما يؤكد أن ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين أكثر بشاعة من ممارسات نظام الفصل العنصري الذي تجاوزه الزمن في جنوب إفريقيا، وأن أميركا عليها أن تنأى بنفسها عن التساهل إزاء سياسات المصادرة واستعمار الأراضي الفلسطينية التي تؤدي إلى تصاعد الإرهاب العالمي الموجه للولايات المتحدة.
أما الصفعة الثانية لإسرائيل فكانت من تقرير مجموعة دراسة العراق برئاسة جيمس بيكر ولي هاملتون والتي ربطت حل مشكلة أميركا في العراق بحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وأشارت ـ بشكل نادرا ما يحدث في أميركا ـ إلى حق الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم التي سلبت منهم في العام 1948.
في السابق كانت هناك حالات تمرد داخل أميركا على القمع الفكري الذي يمارسه اللوبي الصهيوني على أوسع نطاق، غير أن التمرد كان يأتي من قبل شخصيات منفردة أو دوائر أكاديمية ضيقة ( مارلون براندو ـ بول فيندلي ـ جور فيدال ـ نعوم تشومسكي ـ نورمان فينكلشتاين) وكان أنصار إسرائيل يشنون عليهم حملات تشويه عاتية.. ولا يكتفون بمطاردتهم طوال حياتهم، وإنما يطاردونهم بعد مماتهم كما في حالة إدوارد سعيد إذ شنوا حملة على تلاميذه ومدرسته التي أسسها في الفكر الأميركي داخل الجامعات وفي مراكز الأبحاث.
أما صحوة الضمير هذه المرة فتأتي من جانب طرفين لا يمكن للصهاينة الادعاء بأنهما صوتان نشاز.. الأول: رئيس أميركي سابق وضع يده في الصراع العربي ـ الإسرائيلي منذ أواخر السبعينات، وظل قريبا منه بعد خروجه من البيت الأبيض عبر أنشطة حقوقية أتاحت له رؤية ما يجري عن كثب وكان واحدا ممن راقبوا كل الانتخابات التي جرت في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أوسلو وحتى الآن.
والطرف الثاني لجنة بيكر ـ هاملتون التي تمثل عقل أميركا وضميرها، إذ تضم عشرة من أعضاء الكونغرس والسياسيين السابقين الذين لا يمكن لأحد اتهامهم بالانحياز للطرف العربي أو معاداة إسرائيل.
بالطبع لن تتورع اللوبيات الإسرائيلية في أميركا عن توجيه التهم، فقد وصل الأمر إلى حد اتهام كارتر بالخيانة العظمى والمطالبة بمحاكمته على أفكاره.. الأمر الذي دفع هوارد دين رئيس الحزب الديمقراطي ونانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الجديدة إلى التبرؤ منه، كما بدأت التهم تلاحق الحكماء العشرة..
غير أن هذا التمرد شبه الرسمي وغير المسبوق على السطوة الإسرائيلية يؤكد لنا أن الأبواب والعقول ليست مغلقة إلى حد يدفعنا لليأس، وأن ما زرعته المقاومات الوطنية في العراق وفلسطين ولبنان يمكن أن يحصده العرب جميعا، فهؤلاء هم أصحاب الفضل في إفشال كل مخططات المحافظين الجدد ودحرجة رؤوسهم واحدا وراء الآخر من رامسفيلد إلى بولتون مرورا بخليل زاد، حتى وإن بقي ديك تشيني كامنا في مكتبه بالبيت الأبيض آملا أن تمر العاصفة دون أن تنال منه.
الآن بدأت معركة لوبيات داخل أميركا، وهي معركة أهم وأكثر تأثيرا من معارك العرب العسكرية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي.. نظريا يفترض أن تكون اللوبيات العربية حاضرة وصاحبة سطوة، فجماعات المصالح التي تتحلق حول النفط ومبيعات السلاح والأموال العربية المهاجرة إلى أميركا والتي تعدت التريليون دولار يجب أن تقف في وجه لوبي إسرائيل.. لكن الأمنيات شيء والواقع شيء آخر.. وبعد سنوات طويلة سنقول إنه لاحت في ديسمبر 2006 فرصة نادرة لتبديل أفكار وتغيير سياسات داخل المجتمع الأميركي.. غير أننا ضيعناها.
magdishendi@hotmail.com