حالة خاصة يفرضها حضور معرض الكتاب، حالة تكونها أجزاء الوقت التي تمر على من يتجول بين الأجنحة يقرأ بعينيه العناوين التي تصطف على الأرفف والمناضد تتجاور بجانب بعضها البعض كنوافذ مشرعة على العالم وعلى الخبرات وعلى الأفكار وعلى العلوم والآداب والتاريخ، عناوين تناديك وعناوين تتذكرها لأنها مطبوعة في الذاكرة، عناوين موجودة في مكتبتك المنزلية وأخرى كنت تراقبها من العام الماضي، أو حتى الأعوام السابقة، عناوين أخرى أيضا لا تعرفها أبدأ جديدة، لكنها تمس فيك ما يمسه الواقع الحادث في محيطك الكبير.
رحلة طويلة وشاقة هي رحلة التجوال بين تلك العناوين، فأنت تقرأ وتفكر وتستعيد وتستحضر وتقلب ذاكرتك وتختبر علمك وأدبك، عنوان يدفعك إلى الفرح وآخر يؤلب عليك مواجعك القديمة والحاضرة، عنوان يتركك شاردا لثوانٍ، وعنوان يصفعك بحقيقة، عنوان يراوغك وآخر يدفع فيك الدم إلى أعلاك، عنوان يشعرك أنك طائر محلق في فضاء الكون، وآخر ينغمس بك إلى دهاليز النفس، عنوان يجعلك تنفجر من الضحك وآخر يبكيك في داخلك.
وتمضي بين الأجنحة وبين الأرفف، كتاب يشدك فتجذبه بسرعة خاطفة لتقرأ مختصرا له على غلافه الأخير، وكتاب تتردد أمامه وآخر ترميه جانبا وتعبر إلى سواه.. شد وجذب وتنافر، كلها حالات تقلك من مكان إلى آخر في متعة البحث عما تريد.
على الجانب الآخر من إيقاع التجوال بين الكتب هناك المحاضرات والندوات التي تحتل قاعات المحاضرات، دهليز آخر يفتح أبوابه على شرف حضرة الكتاب المحترم، عناوين أخرى لمداخلات وآراء حول هموم الكتاب والناشرين، حول هموم الحضارة وقضايا الأمة، طعم آخر للأسى على الصولجان الضائع والمفقود للثقافة العربية ومنجزاتها الفكرية والإبداعية حينما يفتح الحديث أبوابه على هموم الحال الواقع واستحقاقات الزمن الحاضر، هناك تعيش حالات أخرى، فيها التفاؤل والبشرى وفيها اليأس أيضا، جملة من محاضرات ترفع معنوياتك العربية إلى عنان السماء، وحقيقة أو رقم إحصائي يجعلك ترتكس وتنتكس وتشعر بعجزك، فكثير من كنوزك الفكرية والإنسانية مدفون في محيط لا يستطيع العبور إلى الآخر لأن آلة الترجمة العربية مازالت معطلة.
هي هموم واستحقاقات مرحلية تجد نفسك في بحرها.
معرض كتاب الشارقة هذا القطار الزائر الذي يزورنا في العام مرة واحدة يجلب معه السلة الكبيرة للحضارة التي تحمل شيئا منها على كاهلك وتنوي إيصالها.
شيء من الشقاء في حضرة الكتاب، الحقيقة.