دولة الإمارات العربية المتحدة تدخل في هذه الأيام مرحلة لا سابقة لها. وربما أهمها على الإطلاق. فلأول مرة في تاريخ الإمارات يذهب المواطن الإماراتي وهو يحمل في يده ورقة الاقتراع. ولأول مرة سيختار المواطن الإماراتي من يمثله في المجلس الوطني. ولأول مرة في تاريخ الدولة نستخدم مصطلحات كنا نسمع عنها عن بعد ولكنها غير مدرجة في قواميس السياسة الإماراتية.

كنا نسمع عن: ترشيح، انتخاب، برنامج انتخابي، مقر انتخابي، خيمة انتخابية، مشاركة، ورقة اقتراع، صندوق اقتراع، وغيرها من التعبيرات التي تدل على جدية الديمقراطية. وكانت أشبه بالحلم الذي كنا نتمنى لو يصبح ولو بعد مئة عام حقيقة واقعة، والبعض لم يتوقع أن يحدث ذلك مطلقاً، ويحق لنا أن نقول ان دولة الإمارات العربية المتحدة دخلت منتدى الدول الديمقراطية!

لقد استطعنا بكل سهولة أن نحصل على عضوية العديد المنتديات الدولية الاقتصادية والسياسية والتجارية والثقافية والصناعية. واليوم لنا عضوية جديدة في منتدى الدول الديمقراطية. هل جاءت الانتخابات متأخرة؟ نوعا ما... ولكن...

من الطبيعي جدا أن لا نشعر في السابق بحاجة ماسة جدا إلى كل هذا الضجيج الديمقراطي والانتخابي، عندما كان مجتمع الإمارات من شرقه إلى غربه بسيطا في العدد وفي العدة. وكانت المسائل العالقة ومشاكل المواطن تحل في دقيقة واحدة وبكلمة واحدة.

اليوم صار عدد سكان الدولة من المواطنين والمقيمين أكثر من عشرة أضعاف ما كان عليه قبل 35 سنة. وتعقدت المسائل كثيراً. وبدأت تبرز إلى السطح الكثير من السلبيات الاجتماعية بشكل خاص وعلى كافة الأصعدة والتي يتوجب حلها بطريقة ليس فقط حضارية بل أيضا ديمقراطية وصارمة وبعيدة عن المجاملات، ومنذ فترة قصيرة بدأت كثير من علامات الاستفهام تثار حول وضع المجلس الوطني الحالي وإمكانياته ومدى جدواه ونحن في الألفية الثالثة؟ إلى درجة وصفه بالمجلس الذي لا يمثل هموم الوطن ولا يملك أي صلاحية للتغيير أو لحل حتى القضايا البسيطة التي تمس حياة المواطن.

وظلت كثير من المسائل الشائكة تراوح مكانها، من خطورة التركيبة السكانية وتزايد العمالة الوافدة والبطالة وتردي المستوى التعليمي لدى الطلاب في المدارس وتردي الخدمات الصحية المقدمة رغم الميزانيات الضخمة المخصصة لتلك الوزارتين وعيش العديد من المواطنين في بيوت غير صالحة للسكن وغيرها الكثير من القضايا التي لم يتخذ المجلس الوطني أي قرار صارم بحقها وظلت في تصاعد مستمر دون أن تنقل بأمانة إلى القائمين على رعاية هذه الدولة.

وسواء كان ذلك النقد صحيحا أم لا، وسواء كان ذلك بسبب لوائح المجلس التي تقيد حريته أم بسبب الكيفية التي يتم اختيار أعضائه بها، فإننا اليوم نطبق تجربة جديدة ننظر إليها بحذر شديد وأمل بمجلس بثوب آخر وبروح جديدة تتماشى مع التغيرات التي تشهدها المنطقة برمتها.

إن تجربة دولة الإمارات في انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني تجربة فريدة من نوعها. وتجربتها اليوم بدخولها منتدى الديمقراطية أيضا ستكون فريدة من نوعها. فهو ليس ذلك التحول المفاجئ الذي يقلب الأمور رأسا على عقب بين عشية وضحاها والذي لا يعلم أحد بنتائجه. وقد اعترض الكثيرون على الطريقة التي تم بها تحديد أسماء أعضاء الهيئة الانتخابية، وتساءلوا عن سبب ورود بعض الأسماء دون غيرها، وعن الاعتبارات التي قام عليها الاختيار، وعن حصر الانتخاب والترشيح بين هذه الفئة فقط وعن دواعي وجود أعضاء كانوا قد قضوا سابقا أعواما عدة في عضوية المجلس الوطني نفسه، ولماذا لا تعطى الفرصة لمرشحين آخرين؟! قد يكون هناك بعض الحق في مثل هذه التساؤلات، غير أنه يجب أن لا ننسى بأنها تجربة أولى ودراسة أولية سوف يستفاد من نتائجها مستقبلا. وتعميمها على الكل في هذا الوقت سوف تأتي بنتائج عكسية.

لقد كان شعورا غريبا أن نشاهد صور المرشحين في شوارع المدن، ونقرأ برامجهم الانتخابية في الصحف والإعلانات المتلفزة، ونلمس مدى تحمسهم لبناء وطن قائم على آمال جديدة وواعدة. ولم يتم إهمال أي جانب من جوانب الحياة إلا وتطرقوا إليه. والأكثر دهشة هو مشاركة المرأة جنبا إلى جنب الرجل في رسم طموحاتها ومشاريعها المستقبلية. فقد أعطيت نفس القدر من الحرية في التعبير والتمثيل. (ترى من كان يتوقع ذلك قبل 35 سنة، وقبل 25 سنة وقبل 15 سنة وقبل خمس سنوات فقط؟!)

كل ذلك يجعلنا متفائلين جداً بمجلس وطني مختلف جداً عن سابقه. فإما أن يثبت المرشحون الجدد جدية برامجهم الانتخابية والتزامهم التام بما قاموا بالدعاية عنه والدفاع عن كل نقطة من النقاط التي عرضوها في لقاءاتهم المختلفة و إلا سيفقد المجلس الوطني مرة أخرى مصداقيته ومصداقية أعضائه. وهي مهمة صعبة ومعقدة. وربما لن تكون فقط مسؤولية الأعضاء القدامى الباقين على مقاعدهم ولا مهمة الأعضاء الجدد الذين وصلوا بفضل برامجهم الانتخابية ولكنها مسؤولية مشتركة فيما بينهم أولا وبينهم وبين حكام هذه الدولة الفتية التي ما زالت تعطي وتمنح وتبني دون كلل.

فلوائح المجلس يجب أن تتغير جذريا، ولا بد أن يمنح المجلس الجديد الصلاحيات المطلقة والثقة التامة كمؤسسة ديمقراطية ثابتة ومتجددة تعبر عن هموم الوطن والمواطن. ويجب على الأعضاء في الوقت ذاته إثبات أهليتهم لهذه المسؤولية والثقة. وأن لا تتغلب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة وأن يكون همنا أولا وأخيرا خدمة هذا الوطن وهذا المواطن وأن نتجاهل الاختلافات الأخرى التي هي من سنة الكون، إذا أردنا ورغبنا فعليا في الاعتبار من الآخرين.

إنني أعلم جيدا مدى أهمية وصعوبة الأمر بالنسبة للأعضاء الجدد ومدى حجم المسؤولية التي سوف تلقى على عاتق كل عضو صمم على الدفاع عن حقوق ومتطلبات واحتياجات المواطن وبعد أن تعهد في برنامجه الانتخابي على تغيير الوضع القائم، خاصة بعد أن قام بنشرها علانية في الصحف أو صرح عنها في الإعلانات المتلفزة أو خطها بالبند العريض على ملصقات الإعلانات في شوارع وطرق المدن المختلفة مع صوره بالحجم الكبير وإلا فستصبح هذه الوعود ضده وليس له.

أعرف ذلك لأنني واجهت قبل سنوات نفس تلك المسؤولية المخيفة عندما تأسس المجلس الاستشاري في إمارة الشارقة عام 1999 وكلفت بأن أكون من ضمن أعضائه. وتحملت الكثير من الانتقادات حتى من بين أعضاء المجلس لصراحتي المطلقة لأنني تصورت أن الصراحة التامة في عرض المشكلة هي واحدة من أهم طرق حلها، وأن مهمتنا بدعم وحماية وحصانة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة أكبر بكثير من مجرد حضور الجلسات وعرض المجاملات المطولة والاستمتاع بجو الاجتماعات.

وقد أقلقني هذه المرة أن أجد اسمي مطروحا من جديد ضمن أعضاء الهيئة الانتخابية لانتخابات المجلس الوطني. غير أنني فضلت هذه المرة متابعة الأمور عن كثب ولظروف أخرى أتركها لنفسي.

إنني أتمنى أن تكون هذه الخطوة تاريخية بمعنى الكلمة، وأن يصبح المجلس المنبر الذي كنا ننتظره منذ قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وأن يضع حدا لكثير من الفساد الإداري والاجتماعي والتربوي الذي بدأ يتفشى في مجتمعنا الذي تعيش بين جوانبه أكثر من 200 جنسية جاءت من مختلف بقاع العالم، وبعد أن أصاب الفساد حتى بعض الفئات من أبناء الوطن....

ولا شك أن نجاح مهمة اللجنة الوطنية للانتخابات حتى هذه اللحظة لم يكن ليتم لولا الجهود المنظمة تنظيما موفقا لمهامها من قبل القائمين عليها وأخص بالذكر الزميل الدكتور أنور محمد قرقاش رئيس اللجنة ووزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي الذي أظهر إلماماً ولباقة ودبلوماسية لا مثيل لها في التعامل مع هذه القضية التاريخية. والكل في انتظار الجلسات الأولى للمجلس الوطني الاتحادي في حلته الجديدة.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com