عقب توقيع الاتفاق الثنائي بين موسكو وواشنطن، والذي تدعم الولايات المتحدة بموجبه انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، أصدرت الحكومة الروسية قراراً برفع أسعار الغاز في الأسواق الداخلية تدريجياً اعتباراً من بداية العام القادم بحيث ستصبح أسعار الغاز في الأسواق الروسية مع بداية عام 2011 مساوية لأسعاره في الأسواق العالمية مما يعني زيادة أسعار الغاز على المستهلك الروسي عدة أضعاف خلال السنوات الأربع القادمة.

من المعروف أن زيادة أسعار الغاز الروسي في الأسواق الداخلية كانت من ابرز نقاط الخلاف بين روسيا ومنظمة التجارة العالمية، والذي أعاق مفاوضاتها لفترة طويلة مع المنظمة وأعضائها، حيث اعتبرت المنظمة الدولية أن تسويق الغاز الروسي في الأسواق الداخلية بهذه الأسعار المنخفضة يمنح المؤسسات الصناعية الروسية امتيازا يمكنها من التفوق على منافسيها من المؤسسات الغربية،

حيث سيساعدها على تخفيض أسعار منتجاتها بشكل يمكن أن يقضي على المنافسة في الأسواق العالمية، واستندت معارضة الحكومة الروسية لشرط منظمة التجارة العالمية إلى حقيقة تفيد بأن رفع أسعار الغاز في الأسواق الداخلية سيزيد من أعباء المواطن، ليس فقط بسبب زيادة أسعار الطاقة التي يستهلكها، وإنما أيضا بسبب زيادة أسعار المنتجات الوطنية نتيجة لرفع أسعار الطاقة على المنتجين.

وإذا كانت المؤسسة العسكرية وفق تصريحات نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع سيرجي ايفانوف تؤكد أن المؤسسة العسكرية لن تتأثر بزيادة أسعار الغاز في عام 2007 إلا أنه لم ينف أنها ستتأثر من رفع الأسعار خلال الأعوام القادمة. مشيرا إلى أن الجهات المسؤولة عن أمن الدولة لا يمكن أن تكون رهينة أية ترتيبات اقتصادية إذا اقتضت الضرورة زيادة الجاهزية القتالية. وطالب وزير الدفاع تحديد كيفية اندماج المؤسسة العسكرية في نظام الترتيبات التي اقترحتها وزارة الصناعة والطاقة.

وكان جيرمن جريف وزير الاقتصاد والتنمية، قد أعلن في اجتماع عقدته الحكومة في بداية الصيف الماضي أن روسيا ستواجه نقصاً في إمدادات الغاز الطبيعي في الفترة 2007-2009، باعتبار أن احتياج البلاد للغاز كمصدر للطاقة سيزداد إلى أكثر من 26 مليار متر مكعب سنويا، بينما تفيد البيانات الرسمية أن حجم إنتاج الغاز لن يزداد أكثر من 21 مليار متر مكعب.

وقد أفادت مصادر صحافية بأن بيانات وزارة الاقتصاد والتنمية تؤكد وجود عجز في إمدادات الغاز خلال العام الحالي. حيث يشكل استهلاك روسيا للغاز الطبيعي حوالي 70% من إجمالي إنتاجها من الغاز، وتفيد البيانات الرسمية أن حجم صادرات الغاز الروسي سينخفض خلال العام القادم بنسبة 5,3%، مقابل ازدياد احتياجات البلاد بنسبة تصل إلى 5%.

ومقابل صمت شركة (غاز بروم) حول دقة هذه التصريحات أكدت وزارة الاقتصاد آنذاك أن روسيا ستكون قادرة على زيادة حجم صادراتها من الغاز الطبيعي خلال عام 2009 ليصبح إجمالي حجم صادرات الغاز حوالي 212 مليار متر مكعب، دون أن تشير لسبل حل الأزمة الداخلية والتي ستتنامى خلال العامين القادمين، وخلافا لتصريحات الوزير تشير تقارير الوزارة إلى أن معدل زيادة إنتاج الغاز في روسيا خلال العام القادم يمكن أن يصل إلى أكثر من 24 مليار متر مكعب.

وإزاء النقص في الغاز اتجهت إدارات بعض محطات الكهرباء الروسية إلى التحول لاستخدام الفحم النباتي كوقود، خاصة بعد أن أصبح اعتماد هذه المحطات على الغاز كبيرا، حيث بلغت نسبة الفحم النباتي إلى إجمالي الوقود الذي استخدمته محطات الكهرباء الروسية في عام 2005 أقل من 5,0% مقابل 6,70% حصة الغاز.

وقد اضطرت محطة «شاتورا» التي تقع قرب موسكو أن تتوسع في استخدام الفحم النباتي على الرغم من أنها تقع بعيدا عن مناطق إنتاج هذه المادة، وذلك بعد أن انخفض إمدادها بالغاز خلال يناير الماضي عندما بلغ البرد ذروته بنسبة 35 إلى 40%.

ويفسر هذا الوضع الناشئ في قطاع الغاز الروسي قرار الحكومة الأخير، وقرارها السابق برفع أسعار الجملة للغاز المسيل بنسبة تزيد على 100%، مما سيؤدي لزيادة أسعار الغاز على المستهلكين في السوق المحلي بنسبة 15%. والذي تسبب في زيادة رسوم الخدمات السكنية للمواطنين بنسبة تصل إلى أكثر من 29%.

ولم يشرح وزير الطاقة خريستينكو تصريحاته التي أكد فيها انه لن يعاني السكان في مجال استهلاك الغاز من أي طفرات حادة في الأسعار. خاصة أن الزيادة الأولى خلال العام القادم تصل إلى 15% من أسعار الغاز الحالية، وستصبح في عام 2015 مساوية لأسعار التصدير.

ويمكن القول إن قرار زيادة أسعار الغاز لا يرتبط فقط بشروط منظمة التجارة العالمية، وإنما يعود أيضا إلى تراجع معدلات إنتاج الغاز في بلد يتنامى فيه الطلب على الغاز.

في نفس الوقت يبدو واضحا أن الزيادات الكبيرة في أسعار الغاز في الأسواق الداخلية لن تتم قبل منتصف عام 2008، أي عقب انتهاء انتخابات الرئاسة والبرلمان في روسيا، وذلك لأسباب سياسية مفهومة.فقد أصبح مطلوبا أن يتم رفع أسعار الغاز 3 أضعاف سعره الحالي خلال 4 سنوات، بينما تم رفع أسعار الغاز تجاوبا مع شرط منظمة التجارة العالمية الضعف على مدار 5 سنوات، مما يهدد بأزمة اجتماعية واقتصادية ما لم تتم زيادة الأجور والرواتب بنسبة تخفف من الأعباء على السكان.

وتؤكد وزارة المالية أن رفع أسعار الغاز في الأسواق الداخلية سيكون تأثيره محدودا على معدلات التضخم دون أن تقدم أرقاماً تقريبية لهذا التأثير، ولعل تخبط بيانات وزارة المالية حول معدلات التضخم المتوقعة تكشف عن وجود مخاطر على الاقتصاد الوطني من قرار الحكومة باتخاذ هذه الخطوة خلال فترة زمنية قصيرة نسبية،

وربما كان السبب في ذلك اضطرار الحكومة لتقليص استهلاك الغاز من جهة، وزيادة صادراته بما تحمل من عائدات على الخزينة الحكومية، ومن جهة أخرى الإسراع بالانضمام لمنظمة التجارة العالمية. ولعل هذه الأسباب ستعيد روسيا مرة أخرى سياسات الصدمات الاقتصادية في تطبيق برنامجها الانتقالي إلى نظم وأساليب السوق الحر.

وتجدر الإشارة إلى أن تقديرات المحللين الاقتصاديين تشير إلى أن شركة «غاز بروم» التي تحتكر تجارة الغاز الطبيعي الروسي ستحقق خلال العام القادم أرباحا تصل إلى 46 مليار دولار، إذا ما وقعت اتفاقات تصدير الغاز إلى البلدان الاتحاد الأوروبي بسعر 293 دولارا لألف متر مكعب وفق خططها. وقد بلغت عائدات صادرات الشركة إلى البلدان الغربية خلال العام الحالي حوالي 37 مليار دولار.

كما ستحقق الشركة عائدات تصل إلى 3,6 مليارات دولار من صادرات الغاز إلى البلدان الأعضاء في رابطة الدول المستقلة، منها 1,4 مليارات من صادراتها إلى بيلاروسيا على أساس سعر 200 دولار لألف متر مكعب.وقد قررت إدارة الشركة زيادة أسعار الغاز الذي يصدر إلى جمهوريات البلطيق إلى 210 - 260 دولارا لألف متر مكعب في عام 2007، وستزيد أسعار الغاز المصدر إلى بولندا إلى 310 دولارات لألف متر مكعب.

مركز دراسات الطاقة روسيا