الحوار الذي توقف بين حركتي حماس وفتح بشأن التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى إقامة حكومة وحدة وطنية، يضع الفلسطينيين في ظروف غير مناسبة، أمام خيارات صعبة قد تؤدي إلى مفاقمة معاناتهم وإلى إهدار المزيد من الفرص للخروج من الأزمة الشاملة التي يعيشون فصولها المرة منذ بداية هذا العام.

مؤشرات توقف الحوار، بدأت مع خروج رئيس الحكومة إسماعيل هنية في جولة عربية طويلة وبعد اجتماع عاصف بينه وبين الرئيس محمود عباس، لم يسفر عن شيء، ما جعل عباس يصرح لاحقاً خلال وجوده في الأردن، بأن الحوار وصل إلى طريق مسدود، الأمر الذي اعترف به لاحقاً هنية خلال وجوده في سوريا وبعد أن كان من القاهرة، قد أعلن رداً على التصريح الأول لعباس، أن الحوار مستمر ولم يتوقف وأنه حقق تقدماً.

الانطباعات التي أوحت بها تصريحات المسؤولين من الطرفين، وكذلك الوسطاء المحليون عقب الجلسة الأخيرة للحوار، كانت تشير إلى أن الخلاف توقف عند توزيع الحقائب، وتحديداً فيما يتصل بوزارات الداخلية والمالية والخارجية التي تتمسك بها حماس، والموقف من مطالبة حماس بحصة من السفراء الفلسطينيين، وأخرى من المحافظين، وكلتا الفئتين تحملان صفة تمثيل الرئيس وليس الحكومة.

على أن التصريحات اللاحقة، خصوصاً ما صدر عن اجتماع عقدته اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية يوم السبت الماضي، يشير إلى أن الخلاف لا يتوقف عند هذه القضايا فقط وإنما يشمل الخلاف السياسي، حيث ترى التنفيذية وكذلك الرئيس عباس، أن برنامج الحكومة لابد وأن يتضمن اعترافاً بالشرعيات العربية والدولية، وحتى يحظى بالقبول العربي والدولي، كأساس لرفع الحصار عن الفلسطينيين والتعامل مع الحكومة الجديدة بمنطق إيجابي.

اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية اتهمت حماس بالمسؤولية عن فشل الحوار، وطالبت أيضاً رئيس الحكومة إسماعيل هنية بتقديم استقالته لإفساح المجال أمام إمكانية تشكيل حكومة جديدة، الأمر الذي قابلته حركة حماس والحكومة بحملة إعلامية أعادت الوضع إلى أجواء الاتهامات والتحريض المتبادل، منها ما صدر على لسان الدكتور عاطف عدوان وزير شؤون اللاجئين واتهم فيه اللجنة التنفيذية بأنهم جماعة من العجائز، مما دعا الحكومة لتقديم رسالة اعتذار للرئيس واللجنة التنفيذية، حتى لا يؤدي ذلك إلى صب الزيت على الأزمة المتأججة.

الإعلان عن وصول الحوار إلى طريق مسدود هذه المرة لا يشبه الإعلانات السابقة التي كانت تندرج في سياق ممارسة الضغط، إذ يبدو أن الرئيس محمود عباس وحركة فتح التي اجتمعت لجنتها المركزية الأحد الماضي الثالث من هذا الشهر، قد توصلوا إلى قناعة بعدم إمكانية التوصل إلى حكومة وحدة وطنية، ذلك أن معلومات رشحت عن لقاء الرئيس عباس بوزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس خلال زيارتها الأخيرة للأردن والأراضي الفلسطينية، تفسر الجملة التي صدرت عن المنسق الأعلى للسياسة الأوروبية خافيير سولانا.

خافيير سولانا صرح إثر لقائه بالرئيس عباس يوم الثاني من هذا الشهر في غزة أن حركة حماس فقدت فرصة قوية لفك الحصار عن الفلسطينيين، ودعا باسم المجموعة الأوروبية إلى الاستجابة لشروط الرباعية الدولية. أحد المرافقين للرئيس الفلسطيني قال إن رايس أبلغت عباس عودتها عما أبدته من مرونة حين قبلت ترشيح الدكتور محمد شبير لرئاسة حكومة الوحدة رغم علمها بانتمائه غير المعلن لحركة حماس، وقبولها أيضاً ألا يستجيب برنامج حكومة الوحدة لو تم تشكيلها، نصوصاً مباشرة تستجيب لشروط الرباعية.

برنامج الحكومة الذي جرى الاتفاق عليه كان سيتضمن خطاب التكليف الذي تشكلت حكومة إسماعيل هنية بموجبه، مضافاً إليه وثيقة الوفاق الوطني التي تم الاتفاق عليها من الجميع، وقد أصبح كل هذا غير مقبول بالنسبة لرايس، التي عادت لتطالب بالاستجابة الكاملة لشروط الرباعية الدولية، الأمر الذي يعني أن إقامة حكومة وحدة وطنية تتطلب العودة بالحوار إلى نقطة الصفر، وأن ما جرى الاتفاق عليه لا يرتقي إلى مستوى ومتطلبات رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني.

الرئيس عباس الذي يدرك أن ما تم من تقدم عبر الحوار مع حركة حماس، ورغم استهلاك الكثير من الوقت دون أن يتم التوصل إلى اتفاق كامل قد تم بشق الأنفس، وصل إلى قناعة بأن تغيير مواقف حماس السياسية إلى المستوى الذي يؤدي إلى تشكيل حكومة مقبولة دولياً وعربياً بما يوفر إمكانية فك الحصار كأولوية، قد أصبح أمراً مستعصياً، ولذلك دخل فعلياً في مرحلة البحث عن خيارات أخرى.

عباس كرئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير كلف لجنة من أعضائها لفحص مختلف الخيارات، لمساعدته في اتخاذ القرار الذي يحرص على أن يكون دستورياً وديمقراطياً وبدون أن يؤدي إلى انفجار الوضع والاقتتال.

ومن بين الخيارات التي يتم تداولها كان المسؤول عن ملف المفاوضات الدكتور صائب عريقات قد أشار إلى إمكانية بقاء الحكومة الحالية على حالها، مما يعني استمرار الحصار، وبحيث تتحمل حركة حماس المسؤولية الكاملة أمام الشعب وحيث يعتقد أنها ستواجه الفشل وبالتالي سيترتب عليها لوحدها أن تدفع الثمن.

أما الخيار الذي يجري تداوله بقوة أكثر من سواه، فهو يتصل بفكرة عرض إمكانية إجراء انتخابات شاملة رئاسية وتشريعية مبكرة على الشعب الفلسطيني لكي يقرر هو المخرج من الأزمة وهو ما كان لوح الرئيس عباس باللجوء إليه للاستفتاء على وثيقة الوفاق الوطني في شهر مايو الماضي، لولا أن الفصائل اتفقت على تلك الوثيقة قبل المهلة التي حددها الرئيس.

الأوساط المحيطة بالرئيس عباس تنقل عنه شعوره بالمسؤولية عن الحال التي بلغها الشعب الفلسطيني وقضيته، لكن تردده حتى اللحظة يعود إلى أن كل الخيارات الأخرى عدا عن خيار حكومة الوحدة الوطنية المتعثر، هي خيارات مرفوضة نصوصاً من حركة حماس، وبأنه غير مستعد لأي خيار غير دستوري وغير ديمقراطي، فضلاً عن أنه لا يملك القوة الكافية لفرض الخيار الذي يراه مناسباً بدون أن يتوقع ردود فعل صعبة قد تؤدي إلى الاقتتال.

في المقابل تحمل حركة حماس الرئيس وحركة فتح المسؤولية عن فشل الحوار، وربما تراهن على أن المزيد من الوقت سيساعدها على تفكيك أجواء الحصار بدون أن تضطر لتقديم تنازلات سياسية وغير سياسية كبيرة، خصوصاً بعد أن اتخذ الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب، واجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية قراراً بكسر الحصار، وتبع ذلك، شيء من الانفراج في علاقات حماس ببعض الدول العربية.

حركة حماس تعتقد أنها قدمت تنازلات كبيرة حين قبلت بتسعة وزراء بدلاً من خمسة عشر وزيراً بما يناسب النسبة التي حصلت عليها من عضوية المجلس التشريعي، كما قبلت أيضاً تسمية رئيس حكومة ليس من قيادتها المعروفة، فضلاً عن تنازلات أخرى في الجانب السياسي رغم أن نتائج الانتخابات تعطيها الحق لتشكيل الحكومة وقيادة المجتمع على أساس البرنامج الذي اختارها الشعب بناءً عليه.

من الواضح أن الأزمة الفلسطينية التي تتجلى بالحصار الشامل المضروب حول الشعب الفلسطيني وبتراجع مكانة القضية الفلسطينية، قد بلغت مرحلة صعبة قد تطوي معها ملف حكومة الوحدة كمخرج طوعي يضمن توحيد الجميع، وفك الحصار، وفي وقت تنشط فيه المبادرات الدولية والإقليمية لمعالجة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي عبر إعادة بناء وإحياء العملية السلمية مما يجعل الأمر يبدو على أنه «مولد وصاحبه غائب».

ولعل ما هو أصعب من قضية «مولد وصاحبه غائب»، هو أن يدخل الفلسطينيون في مرحلة جديدة من الصراع عبر البنادق بدلاً من حوار العقول مما يهدد بانهيار المجتمع الفلسطيني بعد ما نلاحظه من بدايات انهيار النظام السياسي، وما دفعه الشعب الفلسطيني من أثمان باهظة على خلفية الصراع على الحكم.. وأي حكم؟

كاتب فلسطيني