ما زلت أذكر كيف كنت أتحلّق وإخوتي حول التلفاز عندما كنا صغاراً وقت عرض الرسوم المتحركة، ومازلت أذكر جيداً أن تلك الرسوم كانت تعرض في الساعة الرابعة عصراً على تلفزيون دبي، الذي كان هو وتلفزيون أبوظبي القناتين الوحيدتين اللتين يمكن مشاهدتهما في الإمارات، واللتين كانتا من وسائل الترفيه الرئيسية لنا في ذلك الوقت.

وبالرغم من تعدد وسائل الترفيه والأخبار اليوم، حيث وصلت المواقع الإلكترونية إلى الهواتف النقّالة، إلا أن التلفاز يبقى ذا طبيعة مختلفة عن جميع الوسائل الإعلامية الأخرى، فهو الوسيلة الوحيدة التي تتفاعل مع حواس الإنسان دون قيامه بأي جهد يذكر، بل إن الإتيان بأي عمل أثناء مشاهدة التلفاز يفسد متعة اللحظة التي قد تمتد إلى ساعات طويلة دون أن يشعر بها المرء.

ومازلت أذكر كيف أن أكثر اللحظات صعوبة علينا كانت تلك التي يتابع أبي فيها الأخبار، حيث كنا نتمعّن في تعابير وجهه لنعرف إن كان سيستمر في مشاهدتها أم أنه سيترك لنا المجال للاختيار. أما اليوم ومع حلول الساعة الثامنة والنصف مساءً بتوقيت الإمارات،

فإن ابني سعيد ينطلق مسرعاً ليعلمني ببدء أخبار الإمارات، التي تتحلّق حولها أسرتي لمشاهدة أخبار المجتمع، ولمعرفة كل ما هو جديد في دولة الإمارات من جميع النواحي ما عدا السياسية، وأصبحت أخبار الإمارات في غضون سنتين من أكثر البرامج مشاهدة على المستوى الوطن العربي وليست دولة الإمارات فقط.

وكنت - إلى الأسبوع الماضي - في شغف لمعرفة العناصر التي أدّت بهذه الأخبار إلى أخذ مساحة كبيرة على الساحة الإعلامية المحلية، إلى أن سعدت بلقاء مدير تلفزيون دبي الأخ العزيز علي الرميثي الذي فاجأني حقيقة بالخطوات التي اتخذها القائمون على تلفزيون دبي لإيصال أخبار الإمارات إلى ما هي عليه، وهو بذلك يؤكّد بأن أي عمل إعلامي ناجح لابد وأن تكون له رسالة معينة وتوجه مستقلّ وإن لم يكن واضحاً للعيان.

عندما درست حكومة دبي فكرة إعادة هيكلة الإعلام المرئي في الإمارة تبين أن هناك فراغا كبيرا فيما يخص الخبر المحلي الذي لا يتناول بالشكل المطلوب، فأتت فكرة إيجاد نافذة يطل من خلالها المواطن والمقيم في الدولة على أخبارها وأنشطتها وفعالياتها التي همّشتها الأخبار العالمية والإقليمية، والتي لا يجب - في رأيي - أن تحصل على اهتمام من قبل المشاهد أكثر من شؤونه المحلية التي يتعايش معها كل يوم ويتأثر بها.

فكان التحدي الأول هو كيفية حفز المجتمع على التفاعل مع الأخبار، وكيف يمكن أن توجد وصلة تربط الإعلام المرئي بنبض الشارع، فكان أول قرار اتخذ هو أن يتم توطين كافة العاملين على هذه الأخبار وخصوصاً المذيعين والمراسلين، وأن توجه هذه الأخبار إلى الأسرة بمختلف أفرادها.

وبدأ العمل الدؤوب بإعادة صياغة الخبر الصحفي وعرضه كخبر مرئي وعدم الاكتفاء ببث الخبر فقط، فكان مقدم الأخبار يصف الخبر وكان المراسل ينقله من موقعه بوضوح وبساطة للخروج من تعقيدات الجمل المتداخلة التي تشوّش المشاهد ولا تعكس له الصورة الحقيقية للخبر.

ولكي يشعر المشاهد بقربه من الخبر قامت إدارة تلفزيون دبي باستقطاب وجوه مواطنة من الخريجين الجدد وتم إخراطهم في برنامج تدريبي مكثّف، وكان الهدف وراء ذلك هو بناء بيئة إعلامية جديدة ووجوه إعلامية مشبعة بأساليب إعلامية عصرية.

وكانت أهم المحاور التي دارت حولها هذه البرامج هي كيفية تقديم القضية المجتمعية بحيادية وتوازن تفرضه الرقابة الذاتية لدى معدي البرامج والمحققين وليس مقص الرقيب، وحتى تتجاوز الأخبار مفهوم كل ممنوع مرغوب تم تدريب القائمين عليها على عرض جميع القضايا بشقيها الإيجابي والسلبي بشفافية تامة ودون تجريح.

وحتى يعيش المشاهد الحدث ويشعر بأبعاده قامت إدارة التلفزيون بتطوير نظام لتتبع أهم القضايا التي تهم أفراد المجتمع ومن ثم قامت بإجراء دراسات وإحصائيات حولها بالتعاون مع جهات خارجية لتضعها للمشاهد في قالب تحليلي واقعي ينقله من موقع «التلّقي» إلى «التفاعل» مع الحدث والتجاوب معه.

ونتيجة لهذه المبادرات وغيرها كانت ردّة فعل المجتمع غير مسبوقة، حيث أصبح الجميع يتابع القضايا الإنسانية التي تطرح على شاشة أخبار الإمارات، ولا تكاد تعرض حالة ما حتى تأتي عشرات الاتصالات إلى تلفزيون دبي ليعرض أصحابها استعدادهم للتكفل بمساعدة أصحاب القضية الإنسانية والمحتاجين بل إن بعض أهل الخير أبلغوا إدارة الأخبار بأن يعلنوا عن توفر المساعدة المطلوبة دون الرجوع إليهم للموافقة

وكل ما عليهم فعله هو أن ينتظروا الشيك في اليوم التالي، واستطاعت أخبار الإمارات في أقل من سنتين وبالتعاون مع أهل الخير أن تسدد عشرات الديات وتبني عشرات البيوت والمدارس وتفكّ حاجة العديد من المحتاجين من المواطنين والمقيمين على أرض الدولة.

معظمنا شاهد وتابع الحملة المرورية التي كانت أخبار الإمارات هي المحرّك والراصد الرئيسي لها، حيث استطاعت كاميراتها أن توصل صورة واضحة وحقيقية للناس عن التجاوزات المرورية وعواقبها على جميع أفراد المجتمع بلا استثناء، وكانت النتيجة أن صرّح مدير دائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي أنه لأول مرة يمر يوم دون أن تكون هناك إصابات جراء حوادث مرورية في مركز الطوارئ في مستشفى راشد بدبي،

وبعد أسبوعين من بدء الحملة تفاجأ مدير مؤسسة دبي للإعلام باتصال من فريق العمل ليقولوا له بأنهم في مأزق، وعندما سألهم عن السبب قالوا له: «لا توجد هناك تجاوزات مرورية اليوم، فماذا سنعرض؟».

إن أخبار الإمارات بالرغم من حداثة سنّها إلا أنها أصبحت منتجاً يمكن نقله إلى دول مجلس التعاون، فنحن في وطننا الخليجي نهتم بالشؤون الإقليمية والعالمية - والسياسية منها على وجه الخصوص- أكثر من الشؤون المحلية التي تشكّل بجميع تفاصيلها اليومية حياتنا التي نعيشها كل يوم،

فبعد خمسين سنة من الانتحاب والعويل والصراخ والشجب والاستنكار آن لنا أن نلتفت إلى المكونات الأخرى الأكثر أهمية وتأثيرا في مجتمعاتنا من السياسة، حتى لا تنطبق علينا طرفة الكنديين الذين يقولون فيها: «إذا رأيت إنارة أحد المنازل في كندا مضاءة بعد الساعة الثالثة صباحاً فاعلم أن ساكن هذا البيت إما أن يكون صينياً ما زال يطبخ وجبته أو عربيا يتحدث في السياسة»

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com