مع استقالة جون بولتون مندوب الولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة، انطلقت تحليلات ترى أن هذه الاستقالة دليل على سقوط المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية،
خاصة وانه سبق بولتون في الاختفاء من داخل هذه الإدارة كل من دونالد رامسفيلد وزير الدفاع، وبول وولفوفيتز مساعد وزير الدفاع وقبلهما ريتشارد بيرل، بما يؤكد أن هذه الإدارة تحررت من سيطرة هذا التيار المتشدد خاصة على صعيد السياسة الدولية.
والحقيقة أننا نحن العرب والمسلمين من حقنا أن نفرح لهذا السقوط ذلك لان هناك طابعاً عنصرياً في سياسة هذا التيار ضدنا ولصالح إسرائيل، خاصة وان معظمه من اليهود، ولان هناك مؤشرات تقول انه تم تهميش المحافظين الجدد في السياسة الأميركية بعدما أثبتت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي أن هناك استياء عاما لدى الناخب من سياسات الرئيس بوش على الصعيد الخارجي ومعظم هذه السياسات تم التخطيط لها من قبل هذا التيار.
ولكن السؤال الذي يجب علينا أن نهتم به هو هل سقط فعلا المحافظون الجدد وهل هذا السقوط نهائي أم انه وقتي سرعان ما يلملمون أشلاءهم بعده ويستعيدون المبادرة ليصبحوا أكثر قوة عن ذي قبل؟
والذي يدفعنا لطرح هذا السؤال هو أن المحافظين الجدد دخلوا الإدارات الأميركية في عهد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، ثم زاد نفوذهم في عصر من خلفه وهو الرئيس جورج بوش الأب أيضا،
وعندما خرج من الإدارة استطاعوا أن ينظموا أنفسهم ليصبحوا هم التيار الأكثر سيطرة على إدارة الرئيس الحالي جورج دبليو بوش حتى خرجوا واحدا وراء الآخر لكن على الرغم من ذلك استطاعوا خلال السنوات الست الماضية أن يطبقوا سياسات ويصيغوا استراتيجيات لا يمكن التخلص منها بصورة سريعة أي أنهم سيظلون موجودين في خلفية السياسة الأميركية لقترة ليست قصيرة من الوقت.
والخروج الأخير للمحافظين الجدد، في ظل الخبرة السابقة معهم يجعلنا نعتقد أن سقوطهم ليس نهائيا، وإنما هو سقوط وقتي لكي يصبح نهائيا لابد من توافر شروط أخرى. ولكننا نستطيع الآن القول إن هناك ثلاثة عوامل تجعلنا نرجح السقوط الوقتي وليس النهائي:
العامل الأول هو أن هناك من المحللين لطبيعة الفكر السياسي الأميركي من يرى أن تيار المحافظين الجدد هو الأكثر إنتاجا للأفكار وسط التيارات السياسية الأميركية في الوقت الراهن بما يعني أنهم سوف يبدعون آليات وأفكار يمكن أن تعيد لهم مكانتهم في الخريطة السياسية الأميركية في السنوات المقبلة.
أما العامل الثاني فهو أن هذا التيار لم يأت إلى الإدارة الأميركية من فراغ وإنما هو يعبر عن مصالح اقتصادية جبارة وتكفي نظرة واحدة على الخلفية الوظيفية لرموز المحافظين الجدد لنعرف أنهم يعبرون عن مصالح شركات احتكارية جبارة وأنهم يطبقون مخاوف الرئيس الأسبق دوايت ايزنهاور الخاصة بسيطرة المجتمع الصناعي العسكري على السياسة الأميركية،
وهذه المصالح الاقتصادية الاحتكارية لن تستسلم وإنما ستعمل على استعادة زمام المبادرة بما يفتح الباب أمام عودة المحافظين الجدد مرة أخرى للسيطرة على الإدارة أو على الأقل لعب دور مهم في صنع القرارات بها.
أما العامل الثالث فهو متعلق ببراجماتية الرئيس جورج بوش الذي اخرج المحافظين الجدد من إدارته بهدف تهدئة السخط الشعبي على سياسته، وذلك من اجل إعادة الثقة بالحزب الجمهوري بما يساعده على استعادة زمام المبادرة في الانتخابات الرئاسية المقبلة وأيضا في انتخابات الكونغرس المقرر لهما أن تجريا بعد عامين.
وأحد الرهانات الكبرى للرئيس بوش هو أن الديمقراطيين لن يحققوا ما وعدوا به الناخب الأميركي بما يدعو هذا الأخير لان يستعيد ثقته بالجمهوريين وعندما يعود هؤلاء مرة أخرى سيكون من بينهم المحافظون الجدد. أي أن المحصلة أن السقوط ليس نهائيا وإنما هو سقوط وقتي.
هنا يمكن القول إن ما حققه الديمقراطيون من انتصار يتعلق فقط بمعركة انتخابات الكونغرس وليس بالحرب حول من يطبق تصوره الخاص بمصالح الولايات المتحدة وهذه الحرب ستظل مستمرة ومشتعلة ويتوقف الفوز فيها بالنسبة للديمقراطيين على ما سوف يحققونه للشعب الأميركي خلال العامين القادمين.
من هنا يمكنا فهم التصريحات التي صدرت عن أكثر من مسؤول ديمقراطي تطالب بالإسراع في سحب القوات الأميركية من العراق بما يفيد أنهم يريدون أن يظهروا للناخب أنهم سوف يطبقون الأجندة التي وعدوا بها في أسرع وقت بما يعني أنهم مدركون للرهان الذي يراهن عليه الجمهوريون في الوقت الحالي.
وبالتالي فان خلاصة ما يمكن قوله الآن هو أن الإجابة على السؤال المتعلق بما إذا كان السقوط وقتياً أم نهائياً لن تكون متاحة الآن، وإنما سوف نعرفها من جدلية الصراع السياسي بين طرفي المعادلة الداخلية الأميركية وتطوراتها وهو ما يؤكد أن شهر نوفمبر من عام 2008 سوف يكون هو الحاسم في هذا الأمر لأنه ستتم فيه انتخابات الكونغرس بمجلسيه وفى نفس الوقت الانتخابات الرئاسية ولن يستسلم المحافظون الجدد حتى هذا التاريخ وإنما سيبذلون كل جهدهم من اجل أن يعودوا مرة أخرى إلى مقدمة المشهد السياسي.