ظاهرة هروب رجال الأعمال الروس للخارج انتشرت في الآونة الأخيرة، وخاصة إلى بريطانيا وإسرائيل بعد قيامهم بتصفية أعمالهم وبيع ممتلكاتهم في روسيا، وخاصة منهم ما تطلق عليهم وسائل الإعلام «الأوليغارشية» أي النخبة أو الصفوة الذين كانوا يتحكمون في الاقتصاد الروسي طيلة التسعينات،
بينما يطلق عليهم الشعب الروسي وصف «المافيا» لارتباط معظمهم بعالم الجريمة، ويثور الجدل حول أسباب ودوافع هذا الهروب، هل هو الخوف من نظام حكم الرئيس بوتين، أم أنه حملة متعمدة ومخطط لها لإضعاف الثقة في بوتين وتخويف الشعب الروسي منه وأيضاً تخويف المستثمرين الأجانب من سياسات الكرملين، ومن العودة للحكم الشمولي.
رجل الأعمال الملياردير الروسي بوريس بيرزوفسكي الهارب في لندن منذ عام 2000 قام مؤخرا من خلال وسطاء له في روسيا ببيع جزء كبير من ممتلكاته وأعماله، ومنها صحيفة «كوميرسانت» ونصيبه في قناة التليفزيون الروسية «ORT» كما أنه ينوي بيع حصته في شركة النفط الروسية «سيبا نفط»، ويعد بيرزوفسكي اليهودي الديانة والذي يحمل الجنسية الإسرائيلية من أكبر المناهضين لسياسة الرئيس بوتين في روسيا،
وقد هرب إلى بريطانيا عام 2000 بعد أن علم أن الكرملين ينوي توجيه اتهامات له بالفساد والتهرب الضريبي وأيضا بجرائم جنائية منها جرائم قتل منظم، ويشاع عن بيرزوفسكي في روسيا أنه يدير أكبر عصابة للمافيا في روسيا منذ بداية التسعينات وهي العصابة المعروفة باسم «سونتسا» أي الشمس،
وكان لبيرزوفسكي نفوذ كبير في عهد الرئيس السابق يلتسين، ووصل بنفوذه إلى أعلى المناصب السياسية في الدولة حتى أصبح مسؤولاً عن جهاز الأمن القومي الروسي وعن ملف الشيشان عام1997، وأطلقت مجلة «فوربس» الأميركية على بيرزوفسكي لقب «الأب الروحي للكرملين»، وكان صديقاً مقرباً من الرئيس يلتسين وعائلته،
وبعد تنحي الرئيس يلتسين عن منصبه عام 2000 دعاه بيرزوفسكي هو وعائلته في زيارة خاصة لإسرائيل، وكتبت مجلة «أرجومنت فاكت» في عددها في 15 نوفمبر الجاري تقول أن بيرزوفسكي قام في الفترة الأخيرة بغسل كمية كبيرة من أمواله التي قام بتهريبها من روسيا مؤخرا في بنك «هابوعاليم» في إسرائيل.
ملياردير أخر من رجال الأعمال الروس اليهود المتهمين بقيادة عصابات مافيا داخل روسيا، وهو إمبراطور الإعلام الروسي فلاديمير جوسينسكي قام هو أيضا بتهريب أمواله إلى إسرائيل حيث قام هناك بشراء حصة الأسهم الرئيسية في صحيفة «معاريف» الإسرائيلية وفي القناة التليفزيونية الإسرائيلية «RTVI»،
كما اشترى جوسينسكي الذي كان يرأس منظمة المؤتمر اليهودي في روسيا فيلا فخمة في تل أبيب، واصطحب جوسينسكي معه إلى إسرائيل صديقه رجل الأعمال الروسي الملياردير نيفزلين الذي قام معه بتهريب كمية كبيرة من الأموال من روسيا إلى إسرائيل،
حيث قاما بغسلها هناك في بنك «هابوعاليم» في تل أبيب، كما كتبت صحيفة «أرجومنت فاكت» تقول أن رجل الأعمال الروسي وصاحب مجموعة البنوك الروسية «CBC» اليهودي ألكسندر سمولينسكي قد هرب من روسيا إلى النمسا ومعه ودائع أكثر من مليون مواطن روسي تتعدى قيمتها أكثر من مليار دولار،
وكان الملياردير اليهودي الروسي رجل الأعمال رومان أبراموفيتش قد هرب هو الآخر بأمواله إلى بريطانيا في العام الماضي حيث حصل هناك على اللجوء السياسي وقام بشراء نادي تشيلسي الإنجليزي الشهير لكرة القدم، ووصفته مجلة «صنداي تايمز» البريطانية في أبريل الماضي بأغنى أغنياء بريطانيا.
وتأتي حملة هروب رجال الأعمال والمليارديرات الروس من اليهود وغيرهم من روسيا بعد أزمة شركة النفط الروسية العملاقة «يوكوس» التي بدأت عام 2003 بالقبض على صاحبها الملياردير اليهودي الروسي «ميخائيل خودركوفسكي» بتهمة التهرب من الضرائب والاستيلاء على أموال الدولة بطرق غير شرعية،
وانتهت في مايو الماضي بالحكم عليه بالسجن تسع سنوات، الأمر الذي أصاب العديد من رجال الأعمال الروس بالخوف والفزع مما اضطر العديد منهم للهرب بأموالهم من روسيا، علما بأن الملياردير «خودركوفسكي» الذي يبلغ من العمر الثالثة والأربعين كان حتى عام1989 موظفا عاديا يتقاضي راتبا شهريا لا يزيد على 70 روبل، ما يعادل خمسة عشر دولاراً بسعر السوق السوداء آنذاك،
وكان أيضا أحد قيادات منظمة الشباب الشيوعي المعروفة آنذاك باسم «الكومسمول»، ولم يمضي عامان على انهيار الاتحاد السوفيتي عام1990 حتى أصبح خودركوفسكي أحد كبار رجال الأعمال ومديرا لأحد البنوك الخاصة ومستشارا اقتصاديا لرئيس الوزراء الروسي فيكتور تشيرنوميردين عام1993،
ومثله مثل باقي رجال الأعمال الآخرين وزعماء المافيا الروسية استطاع خودركوفسكي من خلال برنامج الخصخصة الروسي الذي أعلنته الحكومة عام 1992، وبالاستعانة ببنوك أجنبية أن يضع يده على كبرى شركات النفط الروسية «يوكوس» التي تملك وحدها 2% من الإنتاج العالمي للنفط ونحو 20% من صادرات روسيا النفطية، وتنتج يوكوس وحدها 7,1 مليون برميل نفط يوميا، وقبل أن ينجح خودركوفسكي في الهروب من روسيا ألقي القبض عليه ليكون عبرة وإنذارا للباقين.
هروب رجال الأعمال والمليارديرات الروس، وخاصة اليهود منهم، ليس السبب وراءه هو الخوف ولا الرعب من مطاردة الحكومة لهم، ولكنها محاولة وخطة من مجموعة من رجال الأعمال المشبوهين لتخويف الشعب الروسي، وأيضا الجهات الغربية من سياسات الكرملين تحت حكم الرئيس بوتين،
حيث يظن هؤلاء أنهم بهذه الخطة سيضعون الاقتصاد الروسي في مأزق كبير يمنع المستثمرين الأجانب من التوجه إلى روسيا، وأنهم بهذا سيجعلون الشارع الروسي يثور ضد نظام الرئيس بوتين، ويطالب بإسقاطه، ولا شك أن هناك جهات أجنبية تحرك هؤلاء من أجل تشويه سمعة روسيا الآن بالتحديد وهي تترأس مجموعة الثمانية الكبار.
رجل الأعمال الروسي بيرزوفسكي الهارب في لندن صرح مؤخرا بأنه مستعد لإنفاق كل ثروته من أجل إسقاط نظام الرئيس بوتين، وأنه أعلن عن استعداده لتمويل انقلاب عسكري ضد بوتين يعيد روسيا والاقتصاد الروسي لحالة الانتعاش التي كان عليها في التسعينات،
والمعروف عن بيرزوفسكي أنه قام بتمويل الثورة البرتقالية التي اندلعت في أوكرانيا في نوفمبر عام 2004 من أجل فوز يوشينكو ضد مرشح موسكو للرئاسة يانكوفيتش، وقد اعترف بيرزوفسكي بذلك لصحيفة «ديللي تليغراف» البريطانية، وقال أنه سيعود لروسيا ليجلس مكان بوتين في الكرملين لأن البلاد تحتاج لرجل اقتصاد مثله.
من جانبها الحكومة الروسية لا تعير اهتماما كبيرا لتصريحات رجال الأعمال الهاربين، وإن كان الكرملين قد سبق أن أبدى اعتراضاته أكثر من مرة للحكومة البريطانية بسبب إعطائها حق اللجوء السياسي لهؤلاء، فهم في نظر الغالبية العظمى من الشعب الروسي ليسوا رجال أعمال بل زعماء لعصابات مافيا ومتهمون في جرائم قتل وسلب ونهب،
والشعب كله يعرفهم ويعرف كيف جمعوا ثرواتهم الهائلة، ويكفي أنهم هم الذين وضعوا برنامج الخصخصة الذي بدأ في روسيا عام 1992، والذي عن طريقه استولى هؤلاء على معظم ثروات روسيا، هذا البرنامج الذي تسبب على مدى ثماني سنوات في خسارة بلغت نحو ثلاثة تريليونات من الدولارات أي ضعف الميزانية العمومية للولايات المتحدة الأميركية.
جامعة سيبيريا ـ روسيا
