شغلت الأزمة العراقية موقعاً متميزاً في جدول الأولويات المطروحة أمام منظمة الأمم المتحدة لأمد طويل، وقد ازدادت أهميتها بعد الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق عام 2003 حيث أصبحت الأوضاع المتردية فيه موضع اهتمام وقلق دول الجوار والعالم أجمع. وقد كان للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان أكثر من موقف يسجل له في لفت انتباه العالم إلى خطورة ما يجري فيه وخطورة تداعيات ذلك على منطقة الشرق الأوسط برمتها. ففي جلسة افتتاح المؤتمر الذي عقد في بروكسل في الثاني والعشرين من يونيو عام 2005 والذي نظمه الاتحاد الأوربي بالاشتراك مع الولايات المتحدة حول العراق، والذي استمر ليوم واحد، دعا كوفي عنان المجتمع الدولي لتحمل مسؤولية أكبر إزاء المشاكل التي تواجه العراق والعمل على إعادة بنائه وعودة الاستقرار إلى ربوعه بما يضفي طابعاً إيجابياً على حياة الشعب العراقي.

أن دعوة رسمية لعقد مؤتمر دولي حول الوضع في العراق لم تصبح شأناً متداولاً إلا بعد أن تدهورت الأوضاع الأمنية فيه إلى درجة مخيفة لم يعد من الممكن السكوت عليها، ولم تعد الدول التي شاركت في الاحتلال والنخب السياسية العراقية المشتركة في العملية السياسية قادرة على الإمساك بزمام الأمور.

هنالك قناعة لدى الأوساط السياسية العليا التي تصنع القرار في الولايات المتحدة بفشل إستراتيجيتها في العراق، وترتب على هذا الفشل تراجع في ثقة الرأي العام بها، حيث أصبحت تواجه ضغوطاً من الصعب الاستمرار في مقاومتها. فالشعب الأميركي قد قال كلمته في الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي مؤخراً، وصاغ من غضبه على سياسات الإدارة الحاكمة أغلالاً تحد من قدرة الرئيس بوش على المناورة واتخاذ القرارات.

وهكذا طلع علينا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في الثامن والعشرين من نوفمبر المنصرم بدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للخروج بحلول واقعية لمعالجة الأزمة العراقية. وأشار في سياق دعوته إلى أن عقد مؤتمر دولي حول العراق يمكن أن يكون مفيداً إذا تمت تهيئته بشكل جيد وبعناية وذلك بإقناع جميع الأطراف بالحضور في مكان ما خارج العراق.

لقد سبقت دعوة عنان لعقد المؤتمر تقييماً لما يجري في العراق من أحداث جسام عبر عنها بالقول بأن العراق يمر بوضع أسوأ من الحرب الأهلية. وتأتي هذه الدعوة قبل فترة وجيزة من تركه المنصب الذي يشغله في الحادي والثلاثين من ديسمبر الجاري، وهي ملفتة للنظر في عدة نواحي:

1ـ على المستوى الشخصي، حيث رافقت القضية العراقية ومختلف مراحل تدويلها الأمين العام للأمم المتحدة طيلة فترة بقائه في المنصب وعانى شخصياً من تداعياتها ابتداء من المشاكل التي رافقت عمل فرق التفتيش ودوره الشخصي في إطفاء أكثر من حريق كان على وشك الاندلاع، وانتهاء بالحصاد الذي خلفته سنوات الاحتلال. ولم يكن في يوم ما راضٍ عن المدى القاسي والمتغطرس الذي أوغلت فيه الإدارة الأميركية في سياستها إزاء العراق، وهو بالتالي ليس على قناعة بأن الإدارة الأميركية قادرة على تقديم الحلول للأزمة العراقية بعد أن كانت أحد الأسباب الرئيسية لتفاقمها. وقد شكك عنان في أكثر من مناسبة بشرعية احتلال العراق مما أثار حفيظة من اتخذ قرار الغزو العراق في الولايات المتحدة وأوربا.

2ـ على المستوى السياسي، رغم أن هذه الدعوة قد استقبلت بمواقف متباينة داخل العراق وخارجه بين مؤيد أو متحفظ أو رافض، إلا أن عنان يدرك جيداُ بأن تبني قضية كبيرة كقضية الملف العراقي كآخر فصل من فصول مسؤوليته كأمين عام للأمم المتحدة سوف يحظى في المستقبل بتقدير الباحثين الذين سيتابعون بإعجاب واهتمام السطور الأخيرة في الفصل الأخير من المذكرات التي سوف يعكف كوفي عنان على كتابتها.

3ـ يرى عنان بدعوته هذه بأنه لا يخدم القضية العراقية وحدها وإنما يخدم قضية السلم في العالم من حيث اعتبار ما يجري من عنف وتدمير في أي مكان من العالم هو شأن يهم البشرية جمعاء، وهذا في الحقيقة من صلب المبادئ التي تأسست عليها منظمة الأمم المتحدة.

فلم تستطع هذه المنظمة منذ احتلال العراق أن تلعب الدور المطلوب منها في تطبيق القرارات الدولية في حماية أرواح المدنيين، ولم يُسمح لها في ممارسة دورها الأممي بعد أن أصدرت قراراتها بشأن الوضع القانوني للقوات الأميركية والبريطانية في العراق. ولم يكن تفجير مقرها في بغداد ومقتل ممثلها سيرجيو دي ميليو، بعد أن تزايدت اعتراضاته على السياسات المتعالية التي يتبعها الحاكم المدني الأميركي بريمر في العراق، غير إنذار بأن دورها ينبغي أن لا يتعدى تقديم المساعدات الإنسانية.

4ـ يبدو أن كوفي عنان بطرحه هذا يحاول أن يوفر مخرجاً مشرفاً للولايات المتحدة من الوحول العراقية التي لم تكن في حسبانها، وما طرحه عنان سبق أن طرحه وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر موضع الثقة لدى إدارة بوش في حديث أجرته معه محطة بي بي سي البريطانية في التاسع عشر من نوفمبر المنصرم حيث اقترح عقد مؤتمر دولي يضم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ودول الجوار إضافة إلى الدول ذات الثقل الإقليمي في المنطقة مثل الهند والباكستان.

كما إن التوصيات التي وردت في التقرير الذي أعدته مجموعة دراسة العراق لا تتعارض مع الدعوة إلى عقد المؤتمر الدولي، فهذا التقرير يوصي بتوسيع دائرة المتحاورين حول الشأن العراقي وإشراك كل من سوريا وإيران فيه.

لا شك أن المذكرة السرية التي تتكون من ثلاث صفحات والتي قدمها وزير الدفاع رامسفيلد للرئيس الأميركي في السادس من نوفمبر المنصرم قبل يومين من تقديمه للاستقالة والتي نشرتها صحيفة نيويورك تايمس تحظى باهتمام بالغ من قبل الرئيس الذي يكن كل تقدير لوزيره المستقيل الذي لم يتخل عنه إلا مرغماً، فهي تعكس وجهة نظر المسؤول الأول عن الملف العراقي في الإدارة الأميركية. فالوزير يقترح إجراء تغيير كبير في الإستراتيجية الأميركية في العراق إذ يقول: «في نظري لقد حان الوقت لإجراء تغيير هام في سياستنا في العراق، فقواتنا هناك لا تنجز عملاً جيداً ولا تقوم به بالسرعة الضرورية».

أما الوزير الجديد روبرت غيتس فيلخص وجهة نظره أمام الكونغرس في جلسة الاستماع إليه في الخامس من ديسمبر الجاري، قبل الموافقة على تعيينه، فيقول إن الولايات المتحدة لا تحقق أي نصر في العراق.

لقد سارع بعض القادة العراقيين إلى رفض دعوة عنان ورفض فكرة المؤتمر كلية من منطلق كون التدويل لا يخدم القضية العراقية، وإن الشأن عراقي، والعراقيون أقدر من غيرهم على معالجة مشاكل بيتهم. وهذا في الحقيقة كلام سليم لو كان يستند إلى الواقع، فالعراقيون لم ينجحوا حتى الآن في التقرب من بعضهم البعض ومن المؤسف القول إن الصراعات بينهم قد ازدادت حدة ونشأت إضافة إلى ذلك صراعات دموية أخرى لم تكن موجودة سابقاً بين حلفاء في تكتل انتخابي واحد.

لو رجعنا إلى الوراء بضع سنوات لوجدنا بأن الشأن العراقي قد تم تدويله منذ اتخذ مجلس الأمن الدولي قراره بفرض العقوبات وبضمنها الحصار على العراق إثر قيامه بغزو الكويت في الثاني من أغسطس عام 1990. وتعزز هذا التدويل في فرض مناطق حظر للطيران العراقي بعد أن رسم مجلس الأمن الدولي خطين وهميين من خطوط العرض لتحديد المنطقة التي يحق للعراق فيها التمتع باجوائه، ثم تعزز التدويل بشكل أعمق بعد عدة سنوات في آلية تنفيذ صفقة النفط مقابل الغذاء حين تولت الأمم المتحدة مهمة توزيع عائدات النفط العراقي على من شملتهم اللجان التي شُكلت لتعويض المتضررين من الغزو العراقي للكويت.

ثم ألم تدول القضية العراقية حين اتخذ مجلس الأمن الدولي قراره بتسمية القوات البريطانية والأميركية قوات احتلال والتعامل الرسمي مع الوضع الذي أعقب التاسع من أبريل عام 2003 على أساس كهذا؟

إن الإدارة الأميركية في طور دراسة الخيارات المتاحة أمامها في ضوء تجربة السنوات التي مرت منذ الاحتلال، وفي ضوء نتائج اللقاءات التي أجراها الرئيس الأميركي مع المسؤولين العراقيين في عمان وفي واشنطن وفي ضوء التقرير الذي قدمته مجموعة دراسة العراق، وفي ضوء مجمل الأفكار المقترحة ومن ضمنها المقترح الذي تقدم به كوفي عنان والذي هو في الواقع قراءة لما يدور في أذهان من يرسم الإستراتيجية الأميركية. عند ذلك سوف يصبح من الصعب أن يواجه من سبق ورفض بشكل قاطع المقترح الذي تقدم به عنان الواقع الجديد الذي تتبناه الولايات المتحدة صاحبة القرار في الشأن العراقي.

كاتب عراقي

fmajamal@emirates.net.ae