في منتصف يوليو الماضي.. كانت القنابل والصواريخ الإسرائيلية تتساقط عصفا وتدميرا على المنشآت والمرافق الحيوية في لبنان، خلال المواجهة التي شهدها الصيف الملتهب في هذا العام بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله.
وكانت هذه المواجهات العصيبة ماثلة في بؤرة المتابعة وكانت محورا لاهتمام المراقبين والمحللين في الشرق الأوسط وفي الغرب الأوروبي ـ الأميركي. من هنا لم تكد تسلط أضواء كافية ومن ثم كاشفة على مؤتمر مهم شهدته العاصمة الأميركية واشنطن وعقد بدوره في منتصف شهر يوليو الماضي.
ومن عجب أن ساد نوع من السكوت الغريب عن هذا المؤتمر الى أن كشف عنه الكاتب الأميركي «ديفيد كيركباتريك» في مقالة مهمة نشرتها مؤخرا على صدر صفحتها الأولي جريدة هيرالد تربيون الدولية (عدد 41/11) واختار أن يصوغ عنوانها على شكل السؤال التالي: هل هي مسألة دين أم سياسة؟ وجاء العنوان الفرعي لنفس المقالة ليؤكد: أن تحالف الايفانجيلين مع إسرائيل أصبح أقوي وأشد رسوخا.
في الفترة الراهنة تأتي مثل هذه المقالة، وغيرها وكأنها دالة أو مؤشر على شعور من القلق بات يساور قطاعات شتي من الرأي العام وبين صفوف المفكرين والكاتبين في أميركا إزاء تنامي ظاهرة إقحام المدخلات الدينية في القرار السياسي، لا بمعني استلهام روح الدين أو جوهر العقائد الرسالية،
ولكن بمعني إقحام النزعة المذهبية بكل تعصبها المقيت وبكل تحيزاتها وبكل نظرتها الدوجماسية الجامدة الى الظواهر والتفاعلات والصراعات البشرية - إقحام هذا كله في هندسة القرارات وفي رسم السياسات وفي وضع الاستراتيجيات.
وأين؟ في دولة مثل الولايات المتحدة وهي الدولة.. الكبرى التي تناهت الى أيديها كثير من مقاليد الحرب والسلام.. على الأقل في اللحظة الزمانية الراهنة من مقتبل القرن الواحد والعشرين.
يزداد الأمر غرابة حين نضيف أن أميركا ظلت تعد نفسها بمثابة الرحيق الايجابي الذي تولد عن نضالات الغرب الأوروبي عبر عصور شتي غربت فيها شمس خرافات القرون الوسطي كي تسلم الى استنارة النهضة التي كانت بدورها الاستهلال الواعد المستنير للعصر الحديث - عصر الهيومانزم الذي أعلى من شأن الإنسان واجتهاداته البشرية واعترف بقدراته وإرادته وإبداعاته من أجل صياغة حياته وإطلاق العنان واحترام لاجتهاداته -
وقد تصيب أو حتى قد تخطئ في مجال الكشوف الجغرافية وفي مضمار العلم والاختراع وتطوير آليات الإنتاج بفضل تطبيق التكنولوجيا في مجتمع البشر والجمع بين هذا كله وبين مبدأ فصل السلطات وإنهاء ظاهرة الحكم المطلق أو الحق الإلهي للملوك بحيث ظل مجتمع الغرب وأميركا بالذات يعد نفسه محصلة ناضجة لنضالات البشرية عبر اختلاف العصور.
أحيانا كان من صفوفهم من ينعي على الناس في الشرق وربما في العالم النامي الثالث في مجمله أنهم مبالغون في التمسك بتراثهم الموروث وشعائرهم العقائدية.. لكن ها نحن نتابع - كما ألمحنا - تساؤلات مفكريهم وكاتبيهم إزاء تنامي ظاهرة التمذهب وتكريس نفوذ المؤسسة الدينية (وهذه المؤسسة لا يعرفها الإسلام لحسن الحظ) وليت هذا الأمر قد جاء باتجاه الارتفاع بالشأن الأخلاقي أو حتى لعلاج كثير من الأدواء الاجتماعية التي لا تخفي على أحد في مجتمعات الغرب أو للسمو بنفوس الأفراد الى معرفة الحق..
المشكلة - كما أوضحت جريدة التربيون - أن هذا كله ظل موجها لصالح إسرائيل وظل منصّبا على تعميق مساندتها على طول الخط.. بل على التهليل المتعصب لما كانت تنزله من ويلات على جموع المدنيين في لبنان - دع عنك طبعا ما تقترفه بحق الفلسطينيين مع مطلع كل صباح.
يشير الكاتب »ديفيد كيركباتريك« الى حفل عشاء تكلم فيه سفير اسرائيل في واشنطون وشهدته حفنة من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري الحاكم إضافة الى رئيس الحزب المذكور شخصيا وضم الاجتماع 3500 من أعضاء المذهب الاي؟انجيلي الأميركي الذين تجشموا عناء القدوم من ولاية كاليفورنيا لحضور المؤتمر السنوي الأول لمنظمة مستجدة على الحياة والسياسة في أميركا وتحمل المنظمة العنوان التالي: «مسيحيون متحّدون من أجل إسرائيل».
وبرغم أن أميركا - وخاصة في حقبة المحافظين الجدد الراهنة - حافلة بمثل هذا النوع من التنظيمات ورغم أن حرية الاجتماع هي حق أساسي من حقوق الإنسان، إلا أن المراقب العربي لا يستطيع أن يتجاهل تصريحات رجل الدين الذي يقود هذه المنظمة واسمه السيد «جون هاجي» الذي لم يتورع أن يخطب في الجمع قائلا:
«قولوا لهما (يقصد السيدين بوش وأولمرت) أن يتركا إسرائيل لكي تكمل عملها في تدمير مقاتلي الميليشيا اللبنانية.. تلك معركة بين الخير والشر.. ومن ثم فإن تأييد إسرائيل يمثل السياسة الخارجية للرب(!)».
وربما تكون مثل الأقوال المرسلة تعبيرا عن رؤية مغلوطة أو حتى نظرة مختلّة للصراع المحتدم في الشرق الأوسط.. لكن خطورتها - كما نتصور - تتمثل في احتمالات تحالف يقوم، لا بين هذه العناصر المتعصبة وإسرائيل وهي تجسيد بدورها للتعصب العنصري الصهيوني، ولكن بين عناصر التمذهب الأميركي وبين أركان الإدارة الحاكمة في واشنطون ذاتها..
في هذا السياق بالذات نحيل الى الكاتب كيرباتريك حين يضيف الى تحليله قائلا: «كثير من المسيحيين المحافظين يعتقدون بأن مؤازرة الرئيس بوش لإسرائيل في دفاعها إنما يحقق أمرا توراتيا يقضي بحماية الدولة اليهودية، وبعضهم يظن أن إسرائيل سوف تقوم بدور محوري في الأحداث التي من شأنها أن تفضي (حسب عقيدتهم) الى القيامة الثانية (للسيد المسيح).
لكن على الجانب الآخر من المعادلة - يستطرد الكاتب الأميركي - فإن عناصر كثيرة من اليسار السياسي تتصور، بشعور من التخوف العميق المنذر بالخطر، أن هذا المنحي الديني قد يؤثر على عمليات صنع القرار الأميركي فيما يتعلق بإسرائيل وبالشرق الأوسط.
في نفس السياق لاتزال ذاكرتنا تستدعي ما كتبته النيويورك تايمز - كبري وأهم الصحف الأميركية عشية فوز الرئيس بوش بأغلبية ضئيلة في انتخابات الولاية الثانية ففي عددها الصادر يوم 4/11/2004 نشرت التايمز مقالها الشهير بقلم المؤرخ جاري ويلز الذي اختار له عنوانا يقول: «اليوم الذي انطفأت فيه أضواء التنوير».
وفي معرض التفسير عمد المؤرخ الى تحليل نتائج تلك الانتخابات قائلا: « إن المبادئ والقيم التي طالما اعتز به كيان الولايات المتحدة وهي تتراوح بين روح الانتقاد اللماحة وبين التسامح واحترام العقل.. كل هذا أفسح الطريق الى ظهور نزعات الاندفاع الأصولي (نفس المصطلح الذي يستخدمونه للنيل من معسكر المسلمين) ناهيك عن نزعة التعصب الديني ونشر الخوف ورفض الحداثة..الخ.
من ناحية أخرى عمدت مجلة (ذي نيشن) الأميركية الى نشر ملف كامل عن خطورة هذه الظاهرة في أحدث أعدادها (20/11) وحين شرع واحد من كتابها واسمه (ايال بِرس) في كتابة تحليل للظاهرة فوجئ أن أمامه 9 كتب ظهرت جميعا في عام 2006 وحده وكلها تتناول تحليل هذه المذهبية الدينية المخيفة المستجدة على الواقع الأميركي سواء بالتكريس أو النقد أو التحليل.. وتحمل عناوين تتراوح ما بين: (مملكة الله قادمة).. أو «رسالة الى أمة مسيحية». الى «الخطر الذي يواجه القيم الأميركية». الخ.
وعندنا فإن الاهتمام بالشأن الديني أمر مندوب إليه من ناحية المبدأ شريطة أن يفضي هذا الاهتمام الى الحفاظ على قيم المجتمع الفاضلة وإشاعة روح الوفاق أو التسامح والحوار البناء بين الأمم والشعوب.. لكن الخطورة - من منظورنا العربي - أن هذا المد المذهبي في أميركا بات لا يخفي تحالفه مع عدونا الصهيوني في إسرائيل..
وهو لا يكتفي وحسب بإمدادها بالمعونات وصنوف التأييد المعنوي والسياسي، بل أنه يزودها بالذرائع التي من تبرر إدامة احتلالها لأراض عربية وهو ما يزيد من تفاقم الأخطار الفادحة التي يشكلها كيان الاستيطان الاستعماري العنصري في إسرائيل على العرب: الأرض.. والموارد.. واحتمالات المستقبل
كاتب مصري