يحكى في نوادر الصحافة والرقابة هذه القصة الطريفة التي رواها الراحل الشهير الصحافي مصطفى أمين عن الرقابة الخانقة على الصحف في لبنان، نعم لبنان المحسود على حريته الصحافية والإعلامية تحديداً، فأيام كان لبنان تابعاً للدولة العثمانية، كانت الرقابة مفروضة على صحفه، وقد جاءت في تلك الأيام برقية إلى صحف بيروت بأن المسيو «كارنو» رئيس جمهورية فرنسا قد اغتيل في مدينة ليون بضربة خنجر على يد شاب اسمه «كازاريو»!

وقد رفض الرقيب نشر الخبر، وأصر على أن نشره قد يؤدي إلى إفهام الناس انه من الممكن اغتيال السلطان، فطلب من كل الجرائد الاكتفاء بالقول: إن فخامة الرئيس الفرنسي قد انحرفت صحته، وحين اعترض المحررون على هذا الاستخفاف بمصداقية الصحافة امام القراء قرر الرقيب ان يكتب خبر اغتيال الرئيس بالشكل التالي «إلى جنان الخلد: ساءت صحة فخامة الرئيس الفرنسي بسبب تقدمه في السن فانتقلت روحه إلى بارئها»!

وحينما دارت المطابع لنشر الخبر كما صرح به الرقيب، اتصل البوليس بشكل مفاجئ وأوقف طباعة جميع صحف بيروت، لأن الرقيب عرض الأمر على الوالي، وهذا الأخير اعترض على الصيغة، فكيف يقال ان رئيس الجمهورية المسيحي ذهب إلى جنات الخلد، والمفروض ان الجنة لا يدخلها إلا المسلمون، ثم كيف يقال ان رئيس فرنسا مات لتقدمه في السن، ان جلالة السلطان عبدالحميد متقدم في السن أيضا أو هذا إيحاء للرأي العام بان السلطان ممكن ان يموت، وفي ذلك إثارة للخواطر وإقلاق للأمن العام، فكيف حلت الأزمة؟ وكيف نشرت بيروت الخبر؟

لقد صدرت صحف لبنان في اليوم التالي وعلى صدر صفحاتها هذا الخبر «انتقل فخامة رئيس جمهورية فرنسا إلى رحمة ربه»، فهل انتهى الأمر يا ترى عند هذا الحد؟، يقول مصطفى أمين:

ما كادت الصحف تصدر وتصل إلى اسطنبول في اليوم التالي حتى قامت الدنيا ولم تقعد، فكيف يسمى رئيس جمهورية بلقب فخامة الرئيس؟، إن الفخامة من حق السلطان وحده، وصدرت أوامر الرقيب للصحف بهذه التعليمات وبغيرها مما هو أشد.

اليوم يتساءل صحافيو العالم العربي ويسألون ويطالبون بحرية الرأي وحرية التعبير وقوانين النشر ويقرأون التقارير التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن العالم العربي هو في آخر قائمة المناطق التي تحظى بهذه الحرية، نحن اليوم نحسد لبنان على حرية التعبير في صحفه ولبنان يحسد العالم على استقراره ويتحسر على أمنه وأمانه، في عالمنا العربي كل شيء يتم مقايضته:

الحرية مقابل الأمن، القتل والإرهاب مقابل الديكتاتورية، الاستقرار مقابل الترهيب والمصادرة، لماذا لا يمكننا ان نخلق حالتنا الحضارية المتكاملة، حالتنا الإنسانية التي نحظى فيها بحقوقنا المشروعة دون أن نضحي بحقوق أخرى أو نتنازل عن امتيازات أخرى؟

فهل كان على العراقيين مثلاً ان يدفعوا هذا الثمن الصعب جداً من القتل مقابل الخلاص من ديكتاتورية صدام؟ وهل كان على لبنان ان يدفع هذا السجال السياسي العنيف مقابل وقوفه في وجه إسرائيل وأميركا؟ لكل شيء ثمن، ولا ثمن للحرية وللكاتب، لا ثمن لحرية الرأي.

sultan@dmi.gov.ae