الأنظار كلها تتجه هذا الأربعاء إلى تقرير جيمس بيكر الذي يرأس لجنة أميركية رفيعة المستوى تضم بالإضافة إليه مسؤولين أميركيين كباراً مختصة بتقديم مقترحات لمواجهة العنف الطائفي في العراق.
وهل ستنجح في تجسيد مقترحاتها ميدانيا سيما فيما يتعلق بتحديد جدول زمني للانسحاب إلا ان الواقع يثبت بما لا يدع مجالا للشك ان مقترحات لجنة بيكر لا تجد البيئة المناسبة للانتقال بها إلى موضع الفاعلية والتأثير الجدي بما يفضي إلى نتائج ملموسة على الأرض فيمكن أن تخدم الإدارة الأميركية بإيجاد منافذ لعملية استراتيجية يفرضها الواقع الكارثي الذي تعاني منه في العراق، وفي نفس الوقت يؤمن لها بعد الانسحاب بيئة إقليمية مستقرة تضمن سلامة مصالحها في المنطقة.
لايختلف اثنان حول عمق الأزمة التي تعانيها أميركا جراء التطورات الميدانية في العراق، هذه الأزمة تعصف بالأروقة السياسية ودوائر صنع القرار خاصة بعد تنازع السلطة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فالأخير جاء بسبب ما آلت إليه ظروف تخبط إدارة بوش وحزبه.
حيث ما كان له أن ينتزع أغلبية مقاعد مجلسي النواب والشيوخ من منافسه الجمهوري لولا تصاعد الرفض لسياسة بوش في العراق وتعنت الإدارة بعدم الإقرار بالهزيمة السياسية والعسكرية، ورغم أن تشكيل لجنة بيكر سبق الانتخابات النصفية الأخيرة لكن توصياتها اكتسبت حظا أوفر من الاهتمام نظرا للمأزق الجديد الذي فرض تداعياته بقوة على شكل صياغة مسار مختلف جذريا وليس تكتيكيا كما يدعي بوش.
لماذا يجري البحث عن أناس مجربين وذوي خبرة بعد ان تسوء الأوضاع وتصبح خارج نطاق السيطرة؟ اين كان جيمس بيكر وهاميلتون وروبرت غيتس خليفة رامسفيلد في البنتاغون طالما أنهم أناس قادرون على وضع الحلول الناجعة للمشاكل الأمنية الخطيرة التي يتخبط فيها العراق.
فالرئيس الأميركي جورج بوش لا يهمه حمام الدم الذي يبتلع العراقيين يوميا بقدر ما يهمه صورته المهتزة من هذا الوضع ووقوفه موقف المتفرج في العراق، لذلك فانه حريص على بسط السيطرة التامة على هذا البلد وإظهار للعالم بأسره ان بلاده تبذل قصارى جهدها لتغيير استراتيجيتها في العراق بالخضوع لضغوطات الديمقراطيين.
فالتحرك الذي أوصت به لجنة بيكر ـ هاميلتون نحو سوريا وإيران وإشراكهما بالشأن العراقي لن يترك تأثيرا واضحا على مجريات الحدث العراقي، كون حسابات البلدين المجاورين تختلف من حيث الأهداف، رغم التقائهما في بعض النقاط، فسوريا وجدت في الدعوة الأميركية فرصة لتفعيل أهداف وطنية سورية بحتة من بينها زيادة فرص تحسين علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة .
وانعكاسها على فرص إحياء المفاوضات السورية الإسرائيلية المعلقة منذ عام 1995، وهي حسابات تكتيكية في جوهرها، في حين أن حسابات إيران تنطلق من دوافع استراتيجية في المقدمة منها استثمار وتوظيف المأزق الأميركي في العراق باتجاه إحكام سيطرة الأحزاب الموالية لها.
لذلك فإن مراهنة الإدارة الأميركية عل مقترحات لجنة بيكر هي في الواقع مراهنة على نقاط هشة وذات طبيعة آنية ومن ثم لا تصلح لحل الأزمة الأمنية التي تحصد مئات الضحايا يوميا من الأبرياء العزل بل إنها تصلح أساسا لبناء منافذ استراتيجية لخروج أميركي مشرف ومعقول من العراق.
وحتى هذه اللحظة، لم يتسرب سوى النزر اليسير جداً من المعلومات حول الأفكار والقضايا التي جرت مناقشتها مع مجموعة دراسات العراق، ولذلك فإنه لمن الصعوبة بمكان، التكهن بالمدى الذي يمكن أن تؤثر به هذه المشاورات، على المعضلات السياسية الكبرى الداخلية في أميركا نفسها، ومدى تأثيرها على مسار الأوضاع في العراق، وما إذا كان سيتم سحب القوات من هناك ومتى وكيف؟
ومن المعروف أن اللوبي الصهيوني قام بدور كبير في جر إدارة الرئيس بوش إلى غزو العراق، وهذا اللوبي لا يريد الانسحاب الأميركي من العراق؛ لأن ذلك معناه انتشار روح عالية من المقاومة داخل فلسطين والعرب والمسلمين مما يشكل أكبر الخطر على وجود إسرائيل ذاته، وكذلك فإن القوى الحاكمة في الغرب عموما.
وفي أميركا خصوصا ترى أن الانسحاب من العراق يعني خسارة الغرب كله وليس أميركا أمام العرب والمسلمين، الأمر الذي لم يحدث منذ مئات السنين، وربما يؤدي إلى بداية صعود المسلمين ونهاية الغرب.
ان القراءة الموضوعية لمسار تطور الأوضاع في بغداد وواشنطن يتطلب من الإدارة الأميركية إن أرادت الخلاص مراجعة جذرية جريئة لاستراتيجيتها المنتهجة في العراق بالاعتراف بالخطأ والسعي لمعالجته وتصحيحه، لذا فإن أي تغيير في التواجد الأميركي في العراق سواء عبر إعادة انتشار أو تخفيف للقوات لن يجلب ضررا للعراق أكثر مما هو عليه! وعكس ذلك فان الاستمرار بسياسة الصيد في الماء العكر سوف لن تجلب لأميركا إلا مزيدا من القتلى ومزيدا من الفرص الضائعة.
benhadnal@yahoo.fr