أعترف أنني فوجئت السبت الماضي بما حوته وثيقة بريطانية تعود إلى عام 1956 إذ كشفت أن رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن فكر قبيل العدوان الثلاثي بقطع مياه النيل عن مصر !!.

طوال عمرنا ننظر إلى النيل باعتباره شريان حياة المصريين وقدرهم، لا يمكن لأحد أن يقطع مياهه أو يتلاعب بمساره الذي حفره على امتداد زمن سحيق، غير أن الاستعمار لا يعترف بالأقدار، ولا يأبه بقيمة الحياة، كما أن الأخلاق لا مكان لها إلا في خيال الطوباويين. أما رجل السياسة فلم يبارح خيمة ميكيافيللي وظلت الغايات (غاياته هو وليست غايات إنسانية عليا) تبرر الوسائل.

لم يكن ذلك هو الشيء الوحيد المفاجئ إذ أن الوثيقة نفسها كشفت عن دور لخبراء من الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي ايه) شاركوا خبراء عسكريين بريطانيين في وضع الخطة التي لم يوقف تنفيذها إلا مخاوف من أعمال انتقامية ضد المصالح البريطانية في مناطق صديقة (كانت منطقة الخليج العربي بالطبع على رأسها).

حتى عهد قريب كان التصور السائد هو أن أميركا في ذلك الوقت لم تكن قد تحولت إلى دولة استعمارية، وأن موقف الرئيس دوايت ايزنهاور وإنذاره الشهير إلى القوى الثلاثة المعتدية بريطانيا وفرنسا وإسرائيل هو الذي لعب الدور الأبرز في إنهاء الحرب، لكن الوثيقة الجديدة تكشف بما لا يدع مجالا للشك أن أميركا (بدولتها السرية سي آي إيه) كانت متورطة فيما يجري، ويمنح مصداقية لما نسب لأيزنهاور بعدها بسنوات من ندم على عدم مساندته (علنا) لأنتوني إيدن واعتباره أن ذلك كان خطأ سياسيا عظيما.

ولأن التاريخ كائن حي نقرؤه لنفهم الحاضر ونستطيع استشراف المستقبل، فإن المخاوف التي منعت البريطانيين من تنفيذ خطتهم الشيطانية آنذاك لم تكن سوى المشاعر العربية التي سادت في ذلك الحين، وأن ما يجلب الكوارث الآن هو أن المشاعر توارت أو لم تعد فاعلة على أرض الواقع، ومن ثم فإن بعبع الجماهير العربية لم يعد مخيفا بقدر ما أصبح كائنا كرتونيا مثيرا للسخرية.

الاستعمار بكل أنواعه قديما وحديثا لا يأتي أبدا بخير.. ليس هناك استعمار سيئ واستعمار جيد، والذين ظلوا يبشرون بأن أميركا قادمة لإنهاء الدكتاتوريات ونشر الحرية يصمون أنفسهم بالتربح من نشر دعاواهم التي أثبت العدوان على العراق بطلانها.

ولعل في مذكرة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي المستقيل والتي رفعها إلى البيت الأبيض يوم 6 نوفمبر الماضي ما يكفي، فقد طالب الرجل بدفع أموال لسياسيين وخطباء عراقيين كي ينشروا علينا دعاواهم التي ترتدي مسوح القيم والأخلاق والتحرر، وهي ابعد ما تكون عن ذلك.

وقياسا على ما فضحته الوثيقة البريطانية فإن أي عاقل لا بد أن يشك في مجريات الحوادث التي شهدها لبنان والعراق مؤخرا، وما إذا كانت هناك يد سوداء تنفذها، ثم تطالب بمحاكمة فاعليها!!.

نعم هناك تطرف على الجانبين في العراق، لكن هذا التطرف لا يقود أبدا إلى استحلال تفجير مساجد وحسينيات ومراقد للأئمة، ولا يقود بأي حال إلى تفجيرات عشوائية تستهدف المدنيين ومذابح يومية على الهوية. كما أن هناك توترات في أجواء لبنان السياسية لكنها لا تقود أبدا إلى تفجيرات مفخخة واغتيالات في وضح النهار ضد رموز يحترمها الجميع ويرتضون قواعد لعبة السياسة في مواجهتها، وليس الرصاص.

علمتنا تجارب العقود الماضية أن ما يباركه الغرب يصبح محل شك، وأن الدعاوى الوطنية المخلصة تجد مناهضة وعداء غربيا يبدو في أحيان وكأنه قدر محتوم. وتثبت الازدواجية الغربية اليومية أن هذه المقولة تنطوي على صدق كبير، فكثيرون تساءلوا بينهم وبين أنفسهم عن الفرق بين المعارضة اللبنانية ( متمثلة في حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر) والمعارضة الفلسطينية (متمثلة في حركة فتح) .

ولماذا تعادي الولايات المتحدة إحداها وتساند الأخرى بكل ما تملك؟ ولماذا تضفي الشرعية على حكومة ناقصة الشرعية وترفض الاعتراف بشرعية حكومة يعترف ألد أعدائها بأن شرعيتها كاملة لا مجال لتشكيك فيها !.

الصراع في العالم العربي إن شئنا الدقة ليس بين تيار شمولي وتيار منفتح، ولا بين متطرفين دينيين وآخرين علمانيين، بل بين أناس يتخذون من المصالح الوطنية لبلدانهم دستورا لا يحيدون عنه، وآخرين ميكيافيليين.. المهم لديهم أن يتصدروا المشهد وتظل العدسات مفتوحة عليهم والأموال تتدفق إلى حساباتهم، حتى وإن كان ثمن هذه الرغبات هو فناء الوطن نفسه.قل لي على بعد كم خطوة تقف من أميركا؟ أقل لك من أنت.

magdishendi@hotmail.com