في عام 1971 وبالتحديد في الثاني من شهر ديسمبر، رفرف لأول مرة في سماء العالم وفي تاريخ المنطقة وعلى ضفاف الخليج العربي علم دولة جديدة بألوانه الرمزية العربية الأربعة، لتلك الدولة التي أطلق عليها اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة. وكانت القضية جاهزة تماماً للبدء في المسيرة. وبدأت جميع أجهزة تلك الدولة الحديثة بالعمل على التشكل والتكون والتنفيذ منذ الساعات الأولى من نهار اليوم الثالث من ذلك الشهر: الوزارات والمؤسسات والسفارات والدوائر والموظفين وكأن كل شيء كان يجري بعصا ساحر.
وفعلاً كانت هناك عصا ساحر اسمها إرادة البدوي الضاربة في عمق تاريخ الصحراء العربية منذ آلاف السنين.
وبما أنه عرف عن القبائل البدوية صعوبة التنازل عن رئاسة القبيلة لقبيلة أخرى، فقد شكك الكثيرون في قدرة هذا (الاتحاد) أن يستمر طويلاً. فحتى من خلال خلفية قراءة كتب تاريخ العرب الحديث كان من المستحيل توقع استمرار أي شكل من أشكال الاتحادات فيما بين الدول والمشايخ العربية لأكثر من سنة أو سنتين أو ثلاث على أكثر تقدير. وكانت أكثر الأسئلة التي طرحت تدور حول كيفية إمكانية استمرار هذه الوحدة بين سبع مشايخ متفاوتة في مستوى الدخل ودرجة الغنى، والتي تدرجت من الغنى الفائض في إمارة ليصل إلى البساطة المادية المعدمة في إمارات أخرى؟ وكيف للإمارة الغنية أن تتنازل عن جزء من دخلها إلى الإمارات الأخرى.
وكيف للقبائل العربية أن تستغني عن الزعامة دون حدوث نزاع وفرقة وقيام حروب داخلية وأهلية طاحنة؟ وكيف سيتم الاندماج بين مجتمعات المشايخ المختلفة؟ وكيف سيحل الدستور الكثير من القضايا المهمة والحساسة بين هذه الإمارات السبع التي دخلت في مغامرة محكوم عليها عدم النجاح بعد فترة وجيزة جداً؟
لقد كانت أكثر التوقعات تشير إلى انفراط هذا العقد بعد مرور ما بين سنتين وخمس.
ولا يلام أحد على مثل تلك التوقعات. فالجميع كان يقرأ في تاريخ العرب عن تجارب اتحادات حقيقية سابقة تفككت في مدة زمنية قصيرة جداً وآل مصيرها للفشل وعدم تكرارها، وبالتالي استحالة أي نوع من أنواع الاتحادات الفيدرالية أو الكونفيدرالية بين الدول والمشايخ العربية ما دامت المصلحة الخاصة تتغلب على المصلحة العامة، وما دامت التنازلات تعني الخضوع والاستسلام وفقدان الكرامة، وما زالت العقلية التي تدير هذه الاتحادات تنظر إلى الأمور من منطلق فرض الإرادة على الآخر، والاستئثار بالقرارات والتحكم في دفة السفينة دون الاستماع إلى رأي ونصائح الآخرين.
وبعد مرور عشر سنوات فقط من ذلك التاريخ دهش العالم فجأة أمام ذلك التحدي الذي لم يعرف له سابقة في تاريخ المنطقة برمتها. وفي أقل من عشر سنوات كانت مختلف المؤسسات في دولة الإمارات تعمل دون توقف وبأقصى سرعتها، والتطور الداخلي العمراني والاجتماعي والاقتصادي وحتى الفني في صعود ملحوظ. فالذين هاجروا من الإمارات ومن ثم عادوا إليها بعد عشر سنوات فقط دهشوا لعدم تعرفهم على الملامح الماضية لهذه الدولة التي قطعت في عقد واحد ما تقطعه دول أخرى في عدة عقود. إلى درجة أن أحد الفرنسيين أخبرني بأنه عمل في إمارة أبوظبي قبل قيام الاتحاد وعندما عاد مرة أخرى لزيارتها بعد غياب استمر ثماني سنوات لم يستطع التعرف على الطريق الذي كان يسلكه سابقاً إلى مكان عمله أو سكنه! وما يقال على إمارة أبوظبي ينطبق على باقي الإمارات.
حتى الستينات من القرن الماضي، كانت الطائرات تحط وتقلع في مطارات بدائية في مناطق تكاد تكون صحراوية قاحلة. واليوم أصبحت نفس تلك المطارات تقع في مركز العاصمة وكان المسافرون أو القادمون إلى المنطقة لا يزيد عددهم على عدد أصابع اليد الواحدة، ومعظمهم جاؤوا كسائحين لمشاهدة روعة امتداد رمال الصحراء والحياة البسيطة للسكان وتصوير الجمال ورؤية البدو الذين كادوا أن ينقرضوا من الصحراء. أما الذين جاؤوا للعمل فيها فقد فروا منها بعد أيام قليلة لشظف العيش وصعوبة الحياة وانعدام الوسائل، بل أن كثيراً من سكان المنطقة أنفسهم هجروها إلى دول مجاورة كالبحرين والكويت والعراق للبحث عن لقمة العيش. وفي أقل من عشر سنوات تحولت تلك القرى الصغيرة إلى مدن معقدة تتحدث عنها كتب وصحف ونشرات أخبار وإعلانات الدول المتقدمة وكأنها من قصص الخيال العلمي.
وبعد مرور عشر سنوات أخرى، تحولت الإمارات إلى محط أنظار العالم كمركز اقتصادي واستراتيجي مهم. فأصبح الحديث عنها يوازي الحديث عن نيويورك ولندن وباريس وسنغافورة وهونغ كونغ وطوكيو! وأصبح توقيت دولة الإمارات من بين ساعات مطارات العالم التي تمر طائراتها شاءت أم أبت بمطارات الدولة كنقطة عبور رئيسية لا مفر عنها. وفي هذه المرحلة بالذات لم يعد الحديث عن دولة خليجية نفطية ثرية زائلة مع الوقت، بل عن دولة اقتصادية عمرانية وثقافية ثابتة. وإذا بأكثر من 200 جنسية مختلفة تهجر بلدانها لتستقر على هذه الأرض الجديدة التي شبه أحد الغربيين أهميتها وتطورها بأهمية اكتشاف الأميركتين وتطورهما، بينما هو يتأمل من نافذة الهليكوبتر السياحية التي تقله، قصر الإمارات في أبوظبي وبرج العرب ومشروع النخلة في دبي وطراز البناء على ضفتي قناة القصباء في الشارقة وجبال المنطقة الشرقية الممتدة على طول شاطئ البحر ومزارعها وواحاتها المنتشرة وغيرها وغيرها من ملامح الدولة الجديدة الخارجة من بين أعماق الكثبان الرملية.
من أين جاء كل ذلك يا ترى في مدة زمنية قصيرة جداً جداً؟
هل يكفي المال والنفط لبناء دولة كدولة الإمارات العربية المتحدة وعلى المستوى الحضاري المتميز؟ بالتأكيد كلا، إلا أن القائمين على تخطيط وهندسة بنائها لم يرغبوا في الاستئثار بالحديث عن إنجازاتهم، وفضلوا العمل بصمت وبتواضع لا مثيل له! ترى هل كان يكفي لذلك مجموعة من الرجال الأذكياء بالفطرة لتحقيق كل تلك الإنجازات المخيفة؟ كلا بالطبع، فهؤلاء الرجال الذين نطلق عليهم حكام دولة الإمارات العربية المتحدة من أولهم إلى آخرهم أحبوا بكل صدق وشفافية شعبهم الذي عانى معهم في السابق شظف العيش وصعوبة الحياة والذين جنى أبناؤهم فيما بعد ثمار تعبهم، وأحبوا وطنهم الذي تحملوا مشقة ظروفه وطبيعته ومناخه، وبعد ذلك فتحوا أبوابهم لكل من أحب هذا البلد والعمل فيه والعيش عليه حتى تضاعف عدد من لجأوا إليه لمشاركة أهله رزقهم بأكثر من ثمانية أضعاف عدد مواطنيه، وهذا ما لم ولن يسمح به في أي دولة أخرى في العالم حتى المتحضر منه.
ورغم التحذيرات المتواصلة والمتصاعدة من الاستمرار في فتح هذا الباب وخطورته المستقبلية على هويته واقتصاده وتركيبته السكانية، إلا أنهم أبوا أن يحرموا الآخرين من لقمة العيش والرزق واقتسام قطعة الخبز معهم. وكان بإمكانهم بجرة قلم أن يصدروا قانوناً يجعل أكثر من ثلاثة أرباعهم يغادرون هذا البلد دون رجعة.
خاصة وأن بعضهم أثرى ثراءً فاحشاً لم يكن ليصل إليه لو أنه لجأ إلى بقعة أخرى من بقاع العالم؛ فهو هنا يدخل إليها ويقيم فيها بأبسط وأسرع الإجراءات الإدارية ويعيش في بلد يعتبر أكثر بلدان العالم أمناً ولا يدفع فيه ضرائب سنوية ولا تفرض عليه التزامات مادية ولا يحاسب على كسبه ولا يسأل عن الجهة التي يقوم بتحويل أمواله التي كسبها إليها، والكل يعيش في وئام عجيب. فهل هناك بلد يمنح مثل هذه الحرية المطلقة؟ وهل هناك دولة في العالم أكثر تسامحاً؟
نعم، لدولة الإمارات العربية المتحدة مواقف تجبر الآخرين على احترامها والانحناء أمامها.. ومواقفها سواء لدعم قضايا الأمة أو للسلام العالمي لا مجال لسردها. ويكفي أنها قدمت من التنازلات الكثير لأجل حل ما علق من مشكلات حدودية مع جيرانها حتى نعرف نواياها وواحدة من أسباب الرقي الذي وصلت إليها بينما ظل الآخرون في (مكانك سر). وقبل كل شيء سبب اندهاش العالم مجتمعاً باستمرار اتحاد عربي تم التوقيع عليه بين سبع إمارات تتوزع وتمتد جغرافيتها بين الخليج العربي وبحر عمان لا يعرف أحد اليوم أين حدود هذه الإمارة من تلك!
تحية إجلال لكل هؤلاء الرجال الذين لم يتخرجوا من جامعات أكسفورد وهارفارد ولكنهم أثبتوا خطأ تنبؤات المحللين التاريخيين المتشائمة.. والذين نتمنى أن تحذوا الدول الأخرى حذوهم.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com