عندما تجتمع العائلات الأميركية هذا الأسبوع لتشكر الله على نعمه، ينبغي علينا جميعاً أن نتضرع بالدعاء للشباب من الرجال والنساء الذين يعرضون حياتهم للخطر في العراق وأفغانستان والرجال الذين يخدمون في البوسنة ومئات القواعد عبر العالم. فهم ينحدرون من جميع الأعراق والعقائد. بعضهم جاء من عائلات عسكرية فخورة لديها أجيال خدموا في الجيش. والبعض الآخر مواطنون أميركيون جدد، وفدت عائلاتهم حديثاً إلى هذا البلد. تعد مهمتهم في العراق وأفغانستان خطيرة وصعبة. وهم يستحقون شكرنا واحترامنا.

لقد خدموا بكل شجاعة وشرف، ولكن قادتهم قاموا بتضليلهم بصورة كبيرة. فعلى الرغم من شجاعتهم ومهارتهم الفذة، إلا أنهم عالقون في احتلال كارثي في العراق. حتى الجنرالات السياسة مثل الجنرال جون أبي زيد، الذين تعلموا تشذيب آرائهم لتتناسب مع احتياجات البيت الأبيض، يقولون ليس أمامنا الآن سوى «أربعة إلى ستة أشهر» قبل أن تخرج الحرب الأهلية التي تدور رحاها الآن عن نطاق السيطرة.

يقول عدد متزايد من المحللين الموضوعيين إنها خرجت بالفعل عن نطاق السيطرة مع قيام فرق الموت بقتل واختطاف المئات كل يوم، وتنفيذ عمليات التطهير العرقي بدءاً من المنطقة الكردية في الشمال وصولاً إلى المناطق الشيعية في الجنوب، وبغداد التي باتت ساحة إجرام دام، مع انقسام الميليشيات الخاصة الآن إلى عصابات متنافسة.

وفي غمرة هذه الكارثة، فإن مهندسيها يغادرون السفينة. فالأيديولوجيون من المحافظين الجدد، الذين ضغطوا من أجل شن هذه الحرب حتى قبل تولي جورج بوش منصبه ـ والذين أرادوا غزو العراق حتى قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية ـ نفذوا بجلدهم. هؤلاء هم المتشددون الذين شجعوا المنفيين من أمثال أحمد الجلبي لترويج الأكاذيب حول برامج صدام حسين للأسلحة النووية.

هؤلاء هم المثقفون الذين ملأوا صفحات مقالات الرأي في الجرائد والبرامج الإذاعية والتلفزيونية بالأكاذيب حول صلات نظام صدام بالقاعدة. لقد كانوا مصممين على شن هذه الحرب التي اختاروها إلى درجة أنهم كانوا على استعداد لإثارة المخاوف الأميركية وتضليل البلاد للدخول في الحرب. ستكون (نزهة)، كما قال كينيث أديلمان. سيتم الترحيب بنا باعتبارنا محررين. ستنتشر الديمقراطية فيما رسموه كعراق علماني ومن ثم تجتاح المنطقة. والأكاذيب، والمبالغات، والتلاعب بالأميركيين سيتم تبريرها في النهاية.

الآن يهرعون إلى التنصل من أية مسؤولية. صُدم أديلمان لدى رؤيته أن «هناك أرواحاً كثيرة قد زهقت». وهو يوجه اللوم الآن إلى قادة الإدارة التي كان معجباً بها في يوم ما قائلاً: «ما كان ينبغي أن تدار الأمور على هذا النحو السيئ. إنه أمر فظيع. ويقول ريتشارد بيرل، وهو زعيم اللوبي المتحمس للجلبي إنه لم يدرك أن الغزو سيفضي إلى احتلال. ويقول إن الاحتلال كان القيام به شيئاً أحمق. من الواضح أنه ما ان يتمكن الجنود من الإطاحة بالطاغية حتى تتبعها الديمقراطية كما يتبع الفجر الليل. إنها مسألة تنفيذ، وفقاً للخبير جوشوا مورافشيك، أحد المحافظين الجدد، الذي يضع اللوم على دونالد رامسفيلد وزير الدفاع السابق. وبالإضافة إلى ذلك، فهو يكتب الآن، أن قلة من المحافظين الجدد عملوا في الواقع في إدارة بوش، و«مشاكلنا في العراق» يمكن «إرجاعها إلى كيفية تسيير الحرب وليس إلى قرار القيام بها».

لقد ضغطوا على الأمة فأدخلوها فيما يعتقد بأنه أسوأ كارثة تتعلق بالسياسة الخارجية على الإطلاق.. ولم يتعلموا من ذلك شيئاً. لو كانت لدينا قوات أكثر، أو إستراتيجية مختلفة، أو لو سلمنا السيطرة إلى بطلهم الجلبي ـ على الرغم من الحقيقة القائلة إنه لم يكن في البلد منذ كان مراهقاً ـ لحلت جميع المشكلات. إنهم ما زالوا يؤيدون حرباً عدوانية. وما زالوا يعتقدون بأن الديمقراطية يمكن نشرها بتفجير القنابل الموجهة بالليزر. وهم لا يدركون أن مشكلة أميركا في العراق لا تكمن في أنها تمتلك قنابل ذكية، بل قادة أغبياء.

والآن بدأ الأميركيون يفهمون حجم هذا الإخفاق التام. لقد ذهبوا إلى صناديق الاقتراع للمطالبة بتغيير النهج في العراق. أقال بوش رامسفيلد، قائد سفينة الأغبياء من المحافظين الجدد، وجلب من هم على شاكلة جيمس بيكر وبيل غيتس، من إدارة أبيه. وستكون أمامهم، إلى جانب القيادة الديمقراطية في الكونغرس مهمة مستحيلة في محاولة لتخليص أميركا ـ بأقل قدر ممكن من الأضرار ـ من الفوضى التي أوقعنا فيها المحافظون الجدد.

وهكذا فإن المحافظين الجدد يغادرون السفينة. فهم يتنصلون من أي مسؤولية عن الأرواح التي أزهقت والأطراف التي بترت. ويضعون أنفسهم في مكان يتيح لهم توجيه اللوم في الفوضى على أولئك الذين تركوا كي يزيلوها. وسرعان ما سيملأون صفحات مقالات الرأي بصيحات التعرض للخذلان، وبالدعوات المطالبة بمغامرة عسكرية جديدة، محمّلة بالخداع والتشويه. وستهدر أميركا أرواحاً لا تقدر بثمن وأكثر من تريليون دولار على حماقتهم في النهاية. ولكن المحافظين الجدد لن يتعلموا شيئاً. ولن يخسروا شيئاً. والسؤال الوحيد الذي يطرح نفسه بقوة هو ما إذا كانت البقية الباقية منا ستعرف ذلك بشكل أفضل في المرة المقبلة.

خدمة لوس أنجلوس

خاص لـ «البيان تايمز»