يتضح يوماً بعد يوم صعوبة فرص انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فعلى الرغم من المفاوضات التي تجرى بين الجانبين إلا ان التعنت التركي إزاء القضية القبرصية ورفضها استقبال طائرات من الشطر اليوناني القبرصي في مطاراتها كان احد العوائق التي تحول دون انضمام تركيا إلى الاتحاد، خاصة مع احتمال لجوء اليونان إلى الفيتو للحيلولة دون انضمام تركيا للاتحاد. ففي الوقت الذي أمهلت فيه المفوضية الأوروبية الحكومة التركية شهرا واحدا فقط حتى تفتح موانئها ومطاراتها للسفن والطائرات القبرصية اليونانية كخطوة أولى على طريق الاعتراف بالقبارصة اليونانيين كممثل شرعي للجمهورية القبرصية العضو الرسمي في الاتحاد الأوروبي.
واتهمت المفوضية في تقريرها السنوي الحكومة التركية بالتقاعس في تطبيق الإصلاحات الديمقراطية وفي مقدمها ضمان حرية الرأي والتعبير والاعتراف للأقليات القومية والدينية والمذهبية بكامل حقوقها. كما أشارت المفوضية إلى استمرار تدخل الجيش في الحياة السياسية وفشل الحكومة في محاربة الفساد بكافة أشكاله.
ولم يتأخر الرد التركي على تقرير المفوضية اذ أكد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أن حكومته لن تتراجع عن موقفها في قبرص حتى يقرر الاتحاد رفع الحصار المفروض على القبارصة الأتراك منذ التدخل العسكري في الجزيرة عام 1974. واستغرب وزير الخارجية عبدالله غول موقف المفوضية وتمنى ان تتخذ القمة الأوروبية أواسط الشهر المقبل موقفا أكثر واقعية في العلاقة مع أنقرة، مذكراً بتأييد أنقرة والقبارصة الأتراك في ابريل 2004 خطة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الخاصة بتوحيد الجزيرة في دولة فدرالية أيدها آنذاك الاتحاد الأوروبي أيضا.
وأثار تقرير المفوضية نقاشا واسعا لدى الأوساط السياسية والإعلامية التركية التي توقعت مرحلة جديدة في العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي اعتبارا من بداية العام المقبل. إذ سيكون من الصعب على الاتحاد الأوروبي متابعة محادثات العضوية مع أنقرة اذا لم تفتح موانئها ومطاراتها أمام السفن والطائرات القبرصية اليونانية حيث يهدد القبارصة اليونانيون العضو الرسمي في الاتحاد باستخدام حق الفيتو ضد أي حوار مستقبلي بين الاتحاد وأنقرة.
هذا بشأن قبرص ناهيك بالطبع عن ان هناك دولا أوروبية ومنها النمسا ترفض انضمام تركيا لأسباب ثقافية، وهناك بالطبع من يرى انه لابد وان يكون الاتحاد الأوروبي مقتصرا فقط على الدول الأوروبية المسيحية ويطرح بديلا آخر هو ان تعامل تركيا معاملة الدول الأعضاء من الناحية الاقتصادية ولكن من دون ان تصبح عضوا كامل العضوية في هذا الاتحاد. وعلى الرغم من ان الموقف مازال يكتنفه الغموض إلا انه يطرح سؤالا مهما حول سيناريوهات الداخل والخارج التركيين في حالة ما لم تنضم تركيا إلى الاتحاد. فهذا الأمر سوف تكون له تداعيات على العديد من الملفات التركية، منها ما هو متعلق بالداخل السياسي ومنها ما هو متعلق بالخارج الإقليمي خاصة وان تركيا لديها دوائر ثلاث للتحرك.
وهنا لابد من الإشارة إلى ان تركيا حدثت فيها العديد من التغيرات الثقافية والسياسية من اجل ان تكون مهيأة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وهناك من المراقبين من رأى ان السماح لحزب العدالة والتنمية بالحكم على خلاف ما حدث مع سابقه وهو حزب الفضيلة كان بهدف تأكيد تركيا لأوروبا أنها قد أصبحت دولة ديمقراطية تعددية حقيقية. كذلك تم التركيز على النموذج التركي في حكم الحزب الإسلامي على اعتبار انه يقترب من نموذج الأحزاب المسيحية الديمقراطية في العديد من الدول الأوروبية إضافة بالطبع إلى الإشارة إلى ان هذا الحزب قد مزج بين الإسلام والحداثة الأمر الذي يعني الاقتراب من نموذج الحداثة الأوروبية التي فصلت بين الشأنين الديني و السياسي.
ومن المفيد الإشارة إلى ان استطلاعات الرأي التي أجريت في تركيا في الفترة السابقة أكدت الرؤية السلبية للمواطن التركي إزاء الاتحاد الأوروبي، وفي هذا الصدد نشير إلى ان آخر هذه الاستطلاعات اظهر أن أكثر من 70 في المئة من الأتراك يعارضون انضمام تركيا إلى الاتحاد بعد مواقف الاتحاد ومواقف بعض دوله المعادية للمصالح الوطنية والقومية لتركيا ومنها قرار البرلمان الأوروبي والبرلمان الفرنسي في ما يتعلق بالمجازر الأرمنية ومن ثم حديث الاتحاد الأوروبي باستمرار عن حقوق الأقليات القومية والدينية والمذهبية والمقصود بها حقوق الأكراد والأرمن والروم والعلويين، ويرى غالبية الأتراك في الحديث عن هذه الحقوق موقفا أوروبيا مقصودا يستهدف وحدة الأمة والدولة التركية.
وهناك من المراقبين من يرى أن أنقرة سترتاح لمثل هذا الموقف الأوروبي الذي قد يقرر تعليق محادثات العضوية اذ سيستغل رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي ذلك لاتخاذ مواقف أكثر تشددا ضد الاتحاد ليزيد ذلك من شعبيته مع اقتراب موعد انتخابات رئاسة الجمهورية في ابريل ثم الانتخابات البرلمانية في نوفمبر العام المقبل وهذا التحليل يوضح إلى أي مدى وصلت درجة عداء المواطن التركي لأوروبا.
والمتوقع في حال عدم انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ان تحدث فيها ردة عن الإصلاحات التي تمت فيها خلال السنوات الخمس الماضية فهل سيتركها الغرب فريسة للاتجاهات القومية الفاشية وللجماعات الدينية المتطرفة ولكي تخضع ثانية للحكم غير المباشر للمؤسسة العسكرية؟. إجابة هذا السؤال ستتضح بعد أسابيع لكنه سيتوقف عليها العديد من التطورات الأخرى التي ستجري في العالم الإسلامي وفي منطقة الشرق الأوسط بكاملها.