زار المنطقة خلال الأسبوع الماضي ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي بادئاً بالعراق وأجرى محادثات مع قادة بعض الدول، كما زار الرئيس العراقي جلال الطالباني طهران وأجرى محادثات مع رئيسها محمود أحمدي نجاد، والتقى الرئيس بوش في عمّان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وصدرت تصريحات أميركية وأوروبية تنادي بإشراك إيران وسورية بحل مشكلتي العراق ولبنان، ويبدو أن هذا النشاط متعدد الجوانب ليس نشاطاً عفوياً أو بالمصادفة بل جزء من رغبة أميركية في تهدئة الأوضاع في المنطقة وإنقاذ السياسة الأميركية من ورطتها العراقية وتحاشي أن تصل الصراعات إلى نقطة اللاعودة التي لم تعد تنفع أحداً لا إدارة الرئيس بوش ولا المجموعة الأوروبية ولا دول المنطقة (التي لا يهتم أحد بمصالحها) والتي أصبحت على شفير الهاوية نتيجة تصاعد الصراعات الداخلية فيها.

من الواضح أن الرئيس العراقي جلال الطالباني إنما كان في زيارته لطهران مبعوثا للإدارة الأميركية، وقد تأكد ذلك منذ اللحظات الأولى للزيارة التي أظهرت موقف كل من الطرفين تجاه الوضع في العراق، من خلال التصريحات الأولى المتبادلة بين الرئيس العراقي والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد والتي تشير في الواقع إلى الموقف السياسي لكل من الإدارة الأميركية وإيران، فالأولى أي الإدارة الأميركية تطلب من إيران العمل الجدي على تهدئة الوضع في العراق فقط والوصول لحل فيه دون الدخول في مشاكل المنطقة الأخرى ويتسنى ذلك بالمساعدة على حل الميليشيات العراقية لما لإيران من نفوذ عليها دون أن تكون إيران شريكاً كامل الشراكة ودون أن تعطى دوراً إقليمياً فاعلاً.

والثانية أي إيران تبحث عن حل شامل تكون شريكاً رئيسياً فيه لما لها من نفوذ في العراق وفلسطين ولبنان، وتطلب مقابل شراكتها هذه ثمناً سخياً أقله الموافقة على استمرارها في صناعاتها النووية والإفراج عن أموالها المجمدة في الولايات المتحدة، وإنهاء اتهامها بأنها بلد الشرور وداعم الإرهاب، وترى أن أية تسوية بين الموقفين الأميركي والإيراني تتطلب الوصول إلى صفقة جوهرها تحديد مناطق النفوذ وحجمها وتقاسم المغانم كتمهيد لبذل الجهود لتخفيف الورطة الأميركية في العراق، ويبدو أن السياسة الأميركية لا تريد الامتثال لهذه المطالب (ولعلها لا تستطيع)، وهكذا فهي تريد من إيران كل شيء مقابل لا شيء عملياً وهذا ما ترفضه إيران لأنها ليست مضطرة إليه فأعباؤها ليست كبيرة بل لا تنوء تحت أي عبء في هذا المجال عكس السياسة الأميركية التي تقف على مفترق طرق في العراق سواء سحبت جيوشها منه أم أبقتها فيه.

لإيران نفوذ كبير وفعال في العراق ولبنان وفلسطين، وهذا ما لا ينكره لا الإيرانيون أنفسهم ولا الأميركان والمجتمع الدولي ولا حتى أهل الدار في هذه البلدان العربية، ولا تجد السياسة الإيرانية أي مبرر للتخلي عن نفوذها بعد أن أعلنت أنها دولة إقليمية كبرى لها الحق بمثل هذا النفوذ، ولا ينطلق إعلانها هذا من فراغ فلها حلفاء يشاركون في حكم العراق إن لم يكونوا هم حكامه ولها ميليشياتها إضافة إلى ميليشياتهم القوية هناك حيث تعجز القوات الأميركية في السيطرة عليها، مما يستحيل باستمراره حل المعضلة العراقية إن لم توافق إيران على المشاركة الفعالة في حلها، ومع أن حكام العراق الحاليين كانوا حلفاء للولايات المتحدة في الغزو، ورغم مجيئهم على دبابات أميركية فهم حلفاء لإيران أولاً ويعرفون استحالة استمرارهم في السلطة دون الدعم الإيراني، ولولا هذا الدعم المالي والعسكري والسياسي والمذهبي لما كانوا هم الأقوى.

في الوقت الذي لا ينكر حلفاء إيران في لبنان وفلسطين تحالفهم ودعم إيران لهم وتأثيرها عليهم، إلى الدرجة التي يصعب معها حل المعضلات في هذين البلدين دون الموافقة الإيرانية، خاصة وأن الاستراتيجية الإيرانية ذات طموح بأن تكون مؤثرة بفعالية في المنطقة كلها ويساعدها على ذلك الضعف العربي المشهود، ولذلك فليس من مصلحة السياسة الإيرانية تجاهل هذه القوة الإقليمية التي تمتلكها والتفريط فيها مقابل فتات أو بعض من الغنيمة والاقتصار على حل في العراق دون الأخذ في الاعتبار أوضاع المنطقة.

وفي الوقت نفسه يستمر الرفض الأميركي للاعتراف بدور إيران الإقليمي بأوسع مداه، وهكذا فالحكومة الإيرانية لا تقبل إلا بصفقة شاملة تطاول العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وتحصل على اعتراف أميركي وأوروبي بدورها الإقليمي الاستراتيجي، أي أن تكون شريكاً كامل الشراكة وربما متساوياً في رسم تطور بلدان المنطقة المقبل، وترفض رغبة السياسة الأميركية بحل جزئي في العراق فقط دون غيره، بينما تتجاهل الولايات المتحدة تكريس الدور الإيراني ولا ترى حقاً لإيران بلعب هذا الدور وتنكر عليها الشراكة المتوخاة وتحصر دورها في التهدئة في العراق، وترى استطراداً أن الجهود الإيرانية في التهدئة لا تقتضي ثمناً باهظاً، وبالتالي فإن أي صفقة مع إيران تتجاوز العراق هي صفقة مرفوضة بنظر السياسة الأميركية، وربما تعتقد الإدارة الأميركية أنها على وشك إبطال الدور الإيراني في لبنان وفلسطين كما هي قادرة في نهاية المطاف على إبطال دورها العراقي، ونلاحظ أن الفجوة واسعة بين موقف كل من الطرفين مما يوحي بصعوبة الوصول إلى صفقة بينهما.

يواجه الرئيس بوش ضغوطاً داخلية متناقضة، فحلفاؤه من المحافظين الجدد يرفضون تطبيع العلاقات مع إيران وبالتالي يعملون ضد الوصول إلى أية تسوية أو صفقة معها، بينما يضغط الديمقراطيون والشعب الأميركي باتجاه الخلاص من الورطة العراقية، وفي ضوء ذلك يحاول بوش الوصول إلى حل وسط فحواه إشراك إيران في التهدئة في العراق مقابل أقل المكاسب، ولأن الهوة واسعة بين الموقفين فمن غير المتوقع الوصول إلى مثل هذه الصفقة مهما جندت لها الإدارة الأميركية من إمكانيات ومهما اتبعت من وسائل، إضافة إلى أن العرب أصحاب المصلحة الحقيقية وأهل البلاد يرفضون ـ رغم ضعفهم ـ تجاهلهم وتحييدهم عن قضاياهم الأساسية وعقد الصفقات من وراء ظهورهم.

كاتب سوري