لماذا يشغل موضوع الهوية الوطنية للإنسان والمكان بال الكثيرين من كتابنا ومن مثقفينا، وحتى من إنساننا العادي، في هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى؟ وهل ما نراه من انعكاسات لهذا الانشغال في الكتابات الصحفية وفي اللقاءات الثقافية، وحتى في حديث الناس في جلساتهم العادية له ما يبرره؟ هل يشعر الناس هنا حقيقة بما يهدد وجودهم وهويتهم، كما يقولون؟، وما هي أصلا المظاهر التي تؤسس للإنسان ما يسمى بهويته الشخصية، ثم هل يعني هذا الانشغال بالهوية ظهور بوادر للتحيز والعنصرية لدينا؟ كل هذه الأسئلة نطرحها للنقاش هنا اليوم في محاولة منا لمعرفة أبعاد هذه المسألة وما الذي تعنيه في مناخ حياتنا وفي تصورنا حول أنفسنا.
بادئ ذي بدء، نود الإشارة إلى أن كثير من الاهتمام بموضوع الهوية في شكله الحالي، ليس لدينا فقط وإنما على مستوى دول العالم، إنما هو اهتمام حديث نوعا ما، وأن هذا الاهتمام قد فرضته ظروف ومتغيرات كثيرة على مستوى العالم، بعضها يقع في المتغيرات السياسية وكثير منها مرتبط بأنظمة الاقتصاد الحديثة.
على صعيد الدول الغربية، ظهر الاهتمام بموضوع الهوية بوضوح في الكتابات وفي المؤتمرات وحتى في مجال الحياة اليومية العادية، تحديدا في البداية في الدول التي كانت تقع ضمن المنظومة الاشتراكية، وكان هذا الاهتمام منصبا على أن الدول المركزية، كحكومة الاتحاد السوفييتي مثلا، حاولت أن تذيب الهوية الخاصة للمناطق الواقعة تحت نفوذها، وبخاصة تلك التي تحمل سمات إسلامية. ولقد كان للولايات المتحدة، وبعض الدول المرتبطة أو المتحالفة معها، كما هو معروف، دور مهم في التركيز على هذا الموضوع في المحافل الدولية أو حتى في المساندة العسكرية لمن طالبوا به، ليس حبا في أولئك الأشخاص الذين دعوا للاعتراف بهويتهم واستقلاليتهم، ولكن كرها في الاتحاد السوفييتي وسعيا نحو تقويضه، والمهتمون بمثل هذه الأمور يعرفون الكثير حول هذه المسائل.
من الدول الغربية التي رفعت أيضا شعار الاهتمام بثقافتها أو هويتها الخاصة منذ سنوات قريبة هي فرنسا، والتي جاء اهتمامها منطلقا من الشعور بأن تيارات العولمة تجتاحها وتحاول أن تضعضع كيانها على أصعدة عدة، وبالأخص على صعيدي الثقافة والاقتصاد. ففي الصعيد الثقافي ترى فرنسا، أو يرى ساستها ومفكروها بشكل خاص، أن تيارات العولمة تحاول أن تزعزع ثقافات البشر وأذواقهم وتذيبها في بوتقة نظام تكون السيادة فيه للثقافة الأميركية.
ولو عرفنا أن الكثير، أو غالبية النخب الأوروبية، سياسية كانت أو فكرية، لا ترى في الثقافة الأميركية ما يجعل إعلاءها مطلوبا، أو هي بالأحرى تنظر بدونية لتلك الثقافة وتعتبرها ثقافة غير راقية، لا تحترم خصوصيات البشر واختلافاتهم، وبأنها ثقافة غير متجذرة وفي مرتبة دونية مقارنة بثقافة أوروبا العريقة، لعرفنا سر هذه المقاومة لتلك الثقافة في أوساط الكثير من الأوروبيين.
على صعيد آسيا، وحتى على الصعيد الأفريقي، طرح موضوع الهوية بالدرجة الأولى أيضا في المناخات النخبوية، واعتنى به الكثير من المفكرين والكثير من الكتاب. ففي اليابان، على سيبل المثال دفع الإحساس بسطوة الثقافة الأوروبية على الثقافة اليابانية بأحد كتاب وفناني تلك البلد، وهو الكاتب ميشيما، إلى الانتحار الرمزي.
فهذا الكاتب، وعلى الرغم من أنه في بداية حياته كان معجبا بالثقافة الغربية وحاول التماهي معها وتبنيها، إلا أنه عاد ونظر إلى الأمر من منطلق أن اليابان، في محاولة تماثلها مع الغرب تخسر خصوصيتها وتفردها وقيمها ورموزها الثقافية، وأن ما تخسره اليابان هو ما يمثل ثروتها الحقيقية. ولقد اختار ميشيما لموته أن يكون طقسيا، حيث استدعى أسلوب المحاربين اليابانيين القدامى، أو الساموراي، في الموت، والمتمثل في طعن أنفسهم بالسيف مقابل عدم الرضوخ للأعداء.
في الدول العربية، ربما ظهر جدل الهوية والحفاظ عليها متجليا في دول المغرب العربي، وفي الجزائر على وجه الخصوص، لأنها هي التي عانت، أكثر من دول المغرب العربي الأخرى من السعي الأوروبي، أو الفرنسي تحديدا، إلى إذابة هويتها والقضاء على خصوصيتها المتمثلة في عروبتها تحديدا.
ولقد كان التركيز في إذابة شخصية الجزائر يقع بالتحديد، وبشكل جلي في منطقة اللغة. وذلك لأن فرنسا كانت مدركة أنها لو محت اللغة العربية فستؤثر هذه المسألة تلقائيا على باقي الرموز الثقافية لتلك البلد. ولن نحاول أن نركز كثيرا على هذا الموضوع، لأن الذي يعرف تاريخ الجزائر يعرف الكثير من التفاصيل عن ثورة شعبها ضد الاستعمار الفرنسي وضد جعلها (الحديقة الخلفية) لفرنسا، لكن المهم لنا في موضوع الجزائر، والذي ربما يتشابه أو يتقاطع في مواضيعنا حول الهوية، هو موضوع اللغة.
لقد حاولت فرنسا، كما نعرف جميعنا، القضاء، وبكل شراسة، على اللغة العربية، وحتى اللغات الوطنية الأخرى الموجودة في الجزائر، وإحلال اللغة الفرنسية محلها، وكانت فرنسا مدركة أن القضاء على اللغة يعني تفتيت الوعاء الذي يحمل للإنسان الجزائري تفاصيل هويته أو خصوصيته.
إن موضوع اللغة، في الهوية، هو العصب الذي يشكل نقطة مركزيتها، إذ كما يقال، إن الإنسان يدرك العالم من خلال اللغة، وأن المنظومة اللغوية وطبيعتها هي التي تحدد هذا الإدراك. ومن هنا جاء موضوع اللغة في نقطة المركز لدى كل المهتمين بموضوع الهوية. حيث إن اللغة، كما أشرنا، وكما يدرك الضالعون بهذا الأمر، هي ليست عبارة عن كلمات تنبادلها مع الآخرين للتواصل معهم، أو أنها وسيلة لتوضيح وجهة نظرنا لهم، بل اللغة هي وعاء الثقافة، وهي ما يشكل الكيان الأساس للإنسان.
لذا فإننا حين نتحدث عن الهوية الوطنية في دولة الإمارات نضع أولا قضية اللغة في نقطة المركز، لأنها هي المؤشر الذي يتيح لنا إدراك الجوانب الأخرى التي تمثل هوية الإنسان، وهي أيضا المؤشر الواضح، في حال تخلخل مكانتها، على نوع وقدر التعدي الذي يحصل لتلك الهوية.
فهل، إذا أخذنا هذه النقطة المركزية بعين الاعتبار، لا يحق لنا أن نعتني بموضوع الهوية، أو أن لا نستشعر القلق عليها، بخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن دحر وجود الإنسان، أو التضييق عليه، يجعلانه أكثر شراسة في الحياة. دعونا فقط نأخذ العبر من الآخرين، وننظر بشكل خاص فيما آلت إليه أحوال البشر حين كانت هناك محاولات من بعض الدول للقضاء على هويات من استعمروهم، لعلنا بهذا لا نبني أعشاشا لعنف قد يستتر في النفوس لبعض الوقت لكنه سيبقى متحفزا لفتيل يفجره.ولا ننسى أن الحياة لا يستقيم وجودها على التجاوز وإنما يستقيم هذا الوجود على التوازن، وهذه حكمة قديمة لا تزل تتجدد.
وللحديث بيننا صلة للإجابة على بقية الأسئلة التي أثرتها في مقدمة المقالة.
جامعة الإمارات