جاءت نتائج القمة الـ 18 لروسيا والاتحاد الأوروبي مخالفة لتوقعات أغلبية المراقبين، حيث فشلت في التوصل إلى اتفاقية جديدة للشراكة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي وروسيا كبديل للاتفاقية التي تنتهي في نهاية عام 2007.
وأسباب هذا الفشل كما أعلن تكمن في اعتراض بولندا على توقيع الاتفاقية المقترحة مع روسيا بسبب فرض حظر على استيراد اللحوم البولندية، واعتبرت الحكومة البولندية أن سياسة موسكو تجاه الصادرات البولندية تضر بأمن بولندا وتؤثر على سيادتها. إلا أن اعتراضات بولندا على سياسات روسيا الاقتصادية ليست حديثة، ولا تقتصر على حظر موسكو لاستيراد اللحوم البولندية، التي في حقيقة الأمر هي سلع يتم إعادة تصديرها عبر بولندا دون أن تستوفي شروط الصلاحية.
وقد كان من ابرز اعتراضات بولندا على سياسات روسيا الحملة التي نظمتها ضد مشروع أنبوب الشمال الأوروبي لنقل الغاز الروسي عبر قاع بحر البلطيق بين روسيا وألمانيا والذي يشرف على تنفيذه المستشار الألماني السابق شرويدر، حيث اعتبرت وارسو آنذاك أن هذا المشروع يضر بمصالحها الاقتصادية باعتبار أنه يحرم دول الإقليم من عائدات مرور الغاز عبر أراضيها. بل إن بولندا دعت في بداية العام الحالي لعقد قمة تبحث قضايا امن الطاقة، تشارك فيها أوكرانيا وكازاخستان وأذربيجان، في محاولة لتجاوز روسيا ومصالحها، ضمن إطار سياسة بعض الأطراف الأوروبية للبحث عن مصادر بديلة للغاز الروسي.
ولعل نتائج القمة الروسية ـ الأوروبية عكست واقع حال الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من فرز بين أعضائه، وتضارب في المواقف بين أوروبا القديمة وأوروبا الجديدة، هذا الخلاف برز منذ أزمة الحرب على العراق عام 2003، عندما رفضت أوروبا القديمة اللجوء إلى القوة في حل الأزمة العراقية، بل وهددت فرنسا آنذاك باستخدام حق النقض ضد أي قرار يصدره مجلس الأمن يصرح بضرب العراق، بينما توالت التصريحات من دول أوروبية حديثة العضوية في الاتحاد الأوروبي تؤيد القرار الأميركي بضرب العراق، بل وشاركت بقواتها إلى جانب القوات الأميركية في العمليات العسكرية.
وفي اجتماعات الاتحاد الأوروبي في تلك الفترة حذر قادة أوروبا القديمة حلفاءهم الجدد بحدة من تجاهل مصالح الأسرة الأوروبية والانسياق وراء السياسة الأميركية، ويبدو أن تحذيرات فرنسا وألمانيا ذهبت أدراج الرياح، وهو ما كشفت عنه نتائج القمة الأخيرة بين روسيا والاتحاد الأوروبي.
ومما لاشك فيه أن رفض روسيا لتوقيع ميثاق الطاقة الأوروبي يتعارض مع مصالح القارة الأوروبية التي يشكل الغاز الروسي 30% من وراداتها التي تغطي احتياجاتها للطاقة، وخلال العامين الماضيين يدور حوار مكثف بين الطرفين حول ضرورة الاتفاق على صيغة تعاون في مجال الطاقة تضمن لأوروبا الاستقرار في حصولها على احتياجاتها من الغاز، في نفس الوقت الذي ترفض فيه روسيا الموافقة على حرية استخدام الموردين لشبكات أنابيب نقل الغاز الروسية لنقل بضائعهم إلى المستهلكين الأوروبيين، وهدم النظام القائم للاتفاقيات الثنائية بين بلدان الاتحاد الأوروبي وروسيا واستبدالها باتفاق واحد بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. مما سيقطع الطريق على الاتفاقات الثنائية بين روسيا وبلدان أوروبا (على غرار اتفاقية أنبوب الشمال الأوروبي)، وفي هذه الحالة ستتاح لبلدان أوروبا الشرقية الفرصة لحماية أسواقها من اتفاقيات ثنائية تؤثر على مصالحها.
وقد تم التوصل إلى مشروع اتفاقية جديد للشراكة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي وروسيا كصيغة ترضي وتراعي مصالح الطرفين، وتضمن استقرار إمداد أوروبا بالغاز الروسي، وتنهي حالة القلق لدى الأوروبيين، ولدى روسيا التي كانت تتناثر حولها دعوات أوروبية بإيجاد مصادر بديلة للغاز الروسي مما دفعها للبحث عن أسواق جديدة، الأمر الذي يعني أن عدم توقيع هذه الاتفاقية يضر بمصالح الجانبين، هذا الوضع كان العامل السياسي الذي دفع أغلبية المحللين للاعتقاد بأن الاتحاد الأوروبي سيوقع الاتفاقية المذكورة بصرف النظر عن الاعتراض البولندي. ولكن الذي حدث أن الاتفاقية لم توقع.
واعتبرت روسيا أن عدم تخويل المفوضية الأوروبية حق توقيع اتفاقية جديدة مع روسيا شأن أوروبي داخلي يخص الاتحاد الأوروبي، واقترحت تمديد الاتفاقية التي ستنتهي في العام القادم، لتجنب فراغ قانوني في العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي. بل وأبدى الرئيس الروسي الاستعداد لتسوية المشكلة البولندية عبر المفاوضات بين وزارتي الزراعة الروسية والبولندية مشيرا إلى أن روسيا ترفض المصادقة على ميثاق الطاقة بصيغته الحالية. وكان الاتحاد الأوروبي قد سحب مطالبه الخاصة بميثاق الطاقة لاسيما أن الجانب الروسي أفهم أنه لا يعارض أن تتضمن اتفاقية الشراكة المقبلة ما يخص التعاون في تزويد أوروبا بموارد الطاقة.
إن تأجيل البت في مصير اتفاقية الشراكة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، لا يحقق المصالح الأوروبية والروسية، ولن يكون السبيل لحل مشكلة الحظر الروسي على استيراد اللحوم والمنتجات الزراعية البولندية، خاصة أنها تشكل بندا في اعتراضات بولندا. ولكن يبدو أن طرفا ثالثا مستفيدا من ذلك ومن خلق حالة توتر في أسواق الطاقة العالمية يستخدم بعض الأطراف لإفشال مشروع صيانة أمن الطاقة العالمي، وتوفير الاستقرار لحصول المستهلك على احتياجاته من الطاقة.
ويعتقد الخبراء الأوروبيون بضرورة التوصل إلى اتفاق يحمى مصالح المنتجين والمستهلكين وبلدان الترانزيت، استنادا إلى هدف أساسي هو يجب ربط مصالح المنتجين بمصالح المستهلكين.
ويبدو أن انقسام الاتحاد الأوروبي إلى فريق أوروبا الجديدة الذي يسير في فلك السياسة الأميركية وفريق أوروبا القديمة الذي يرسم سياساته انطلاقا من مصالح الأسرة الأوروبية قد جعل من الاتحاد إحدى ساحات الصراع العالمي ليس فقط لخدمة المصالح الأميركية، وإنما أيضا لفرض سيطرة الشركات الأميركية على أسواق الطاقة من خلال إشاعة حالة من التوتر وعدم الاستقرار تدفع الأطراف المختلفة للبحث عن شريك يوفر الإمداد المستقر للطاقة، وقبول شروطه، بصرف النظر إذا كانت الطاقة من حقوله أو من دول أخرى.
هذا الوضع لابد وأن يعيد الحياة لمشروع روسيا بتأسيس اتحاد لمنتجي الغاز بهدف مواجهة هذه الصراعات التي تضر بمصالح المنتجين والمستهلكين، حيث تلاقي فكرة الدفاع الجماعي عن مصالح منتجي الغاز تأييدا ليس فقط في روسيا ودول الفراغ السوفييتي المستخرجة للغاز، وإنما أيضا من الجزائر وليبيا وقطر والعراق وإيران والبحرين وبروناي، ويشكل إجمالي إنتاج هذه البلدان أكثر من 16 % من إنتاج الغاز العالمي.
مما سيمنح الاحتكار الجديد لمنتجي الغاز القدرة للسيطرة على ثلثي سوق الغاز والتأثير بفعالية على الأسعار. وتنطلق موسكو في مساعيها لضرورة إنشاء نظام يضمن حماية موارد الطاقة من مخاطر اندلاع الصراع الهادف للسيطرة على هذه الموارد، ويسود اعتقاد في أوساط الاقتصاديين والسياسيين أن الغموض الذي يخيم على استراتيجيات الطاقة لبعض البلدان «يمثل تهديدا» لأمن الطاقة، وخاصة استمرار إمداد بلدان العالم بها.
كاتبة روسية