الأزمة بين موسكو وواشنطن حول الأجسام الصناعية في الفضاء ومنها الأقمار الصناعية انعكست بشكل غير مباشر على لسان قائد القوات الجوية الأميركية لشؤون الفضاء الجنرال كيفن شيلتون والذي صرح مؤخرا في المؤتمر السنوي للقوات الجوية الأميركية قائلا «إن هناك أعداء يحاولون حرمان الولايات المتحدة من مزايا الفضاء الخارجي الذي تعتمد عليه اعتمادا كبيرا في الأغراض العسكرية والتجارية»،

وقال شيلتون إن «هناك جهات تسعى لإغراق الفضاء بالأقمار والأجسام الصناعية بكثافة غير عادية، وإن الكثير من هذه الأجسام يستخدم للتجسس والتشويش على الأقمار الأميركية»، وأضاف قائلا بأن «واشنطن تتوقع في المستقبل أن تصبح أقمارها الصناعية هدفا لهجمات من أعداء أميركا».

الأزمة الفضائية بين موسكو وواشنطن لها في رأي المحللين جانبان، أحدهما تجاري والآخر أمني عسكري، أما الأخير فقد ظهر مؤخرا في العمليات العسكرية التي تديرها الولايات المتحدة في أماكن مختلفة في العالم حيث ان العديد من التقنيات العسكرية الأميركية الحديثة يتم توجيهها بواسطة الأقمار الصناعية وخاصة صواريخ ( توماهوك) الشهيرة،

ومن المعروف الآن أن نظام (جي بي إس ) الأميركي للرصد والتوجيه عبر الأقمار الصناعية كان هو مفتاح نصر وتقدم القوات العسكرية الأميركية في العديد من الحروب، وآخرها الحرب في البلقان وفي العراق، إلا أنه على ما يبدو أن هذا النظام أصابه مؤخرا خلل وأعطال لم يفهم الأميركيون أسبابها،

حيث فوجئ الجنود الأميركيون بأن صواريخ توماهوك أصبحت تخطئ أهدافها بشكل كبير، الأمر الذي جعلهم يشكون في وجود أجهزة تشويش فضائية على الأقمار والرادارات التي توجه الصواريخ، وتوجهت أصابع الاتهام في البنتاغون الأميركي إلى موسكو، وخاصة إلى نظام غلوناس الفضائي الروسي.

وكان الرئيس الروسي بوتين قد وجه أوامره مؤخرا للقائمين على قطاع أبحاث الفضاء الروسي بضرورة إتمام المرحلة الثالثة والأخيرة من برنامج نظام الملاحة الفضائية الروسي المسمى «غلوناس» قبل عام 2008، هذا النظام الذي تأسس في زمن الاتحاد السوفيتي وتوقف في عهد الرئيس يلتسين ثم عاد العمل فيه بكثافة في عهد الرئيس بوتين لتنتهي المرحلة الثانية منه في العام الجاري 2006،

وتعهد بوتين بتوفير كافة الإمكانيات لإتمام البرنامج، ويهدف البرنامج إلى مضاعفة عدد الأقمار الصناعية الروسية المزدوجة الاستخدام لأغراض مدنية وعسكرية أمنية، ومن المقرر أن ينطلق ضمن هذا البرنامج نحو 24 قمرا صناعيا قبل نهاية عام 2008، لتصل عدد الأقمار الروسية من هذا النوع إلى 70 قمرا بدلا من 33 حاليا ،أوامر الرئيس بوتين باستكمال البرنامج يرجح المراقبون أنها هي السبب وراء تصريحات واشنطن الأخيرة على لسان قائد القوات الجوية الفضائية كيفن شيلتون التي أشار فيها إلى وجود جهات تسعى لإغراق الفضاء بالأقمار والأجهزة الفضائية الصناعية.

ومن المعروف أن روسيا هي أكثر دولة تطلق أقمارا صناعية للفضاء سواء لحسابها أو لحساب دول أخرى، وان صواريخ الفضاء الروسية تنقل وحدها أكثر من 60 % من الأقمار الصناعية للفضاء، وأن أكثر من نصف الأقمار الصناعية الأميركية بما فيها أقمار تابعة للبنتاجون تنقلها الصواريخ الروسية، وقد اشترت الولايات المتحدة من روسيا مئة صاروخ من طراز (رد - 191 ) من شركة إنيرجو ماش الروسية بقيمة تتعدى المليار دولار لنقل الأجسام الصناعية للفضاء الخارجي.

الواقع أن العامل التجاري والمنافسة في السوق العالمية تلعب دورا كبيرا في الأزمة التي افتعلتها واشنطن حول النشاط الروسي المكثف في الفضاء الخارجي في مجال الأقمار الصناعية، وكما يقول الروس «إذا كانت الساعات هي رمز الصناعة السويسرية، وسيارة فورد في أميركا، والإلكترونيات في اليابان، فإن صواريخ الفضاء رمز الصناعة الروسية»، وقد تفوقت على الصناعة الأميركية والأوروبية في العامين الماضيين بشكل ملحوظ،

ولن تسمح روسيا لأحد بأن يؤثر على سمعتها العالمية في هذا المجال لأغراض سياسية، وإذا كانت الولايات المتحدة نفسها تعتمد على الصواريخ الروسية لنقل أقمارها الصناعية وأجسامها الفضائية للفضاء الخارجي، فإن عددا كبيرا من دول العالم توجه لروسيا خلال الأعوام الأربعة الماضية في هذا المجال، ومنها اليابان وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والنرويج وكندا والهند والصين واندونيسيا وإيران والبرازيل وغيرها.

وقد طلب رئيس وكالة الفضاء الأوروبية جان جاك دوردين في ديسمبر الماضي من روسيا التعاون مع أوروبا في هذا المجال وإمدادها بصواريخ الإطلاق وبالتكنولوجيا الروسية في الأقمار الصناعية، وأبدت تركيا رغبتها في شراء قمر روسي ورفضت عرض شركة الكاتل الفرنسية وعرض شركة إسرائيلية، كما رفضت أنقرة مد العمل بقمر إيكون الأميركي الذي اعتمدت عليه من قبل،

وحتى إسرائيل نفسها بعد فشل تجربتها في إطلاق قمرها الصناعي ( أوفيك 6 ) في سبتمبر عام 2004 وتحطمه في البحر المتوسط لجأت لروسيا في أبريل الماضي تستعين بها وأطلقت من محطة سوفوبودنا الروسية قمرها الذي قيل عنه انه للتجسس على إيران،

وهناك دول عربية تستعين بروسيا في هذا المجال مثل الجزائر ومصر وآخرها السعودية التي أطلقت في مارس الماضي قمرها المخصص للاتصالات على متن صاروخ روسي من قاعدة بايكانور الروسية، وهناك خمسة أقمار سعودية أخرى سيتم إطلاقهم من نفس القاعدة قريبا.

وحتى فرنسا الناشطة في هذه الصناعة عقدت اتفاقا مع روسيا للتعاون في هذا المجال وأعطتها حق تأسيس قاعدة إطلاق في مقاطعة كورو في إقليم جويانا الفرنسي، لتصبح روسيا الدولة الوحيد التي تملك صواريخها ثلاث قواعد للانطلاق للفضاء في روسيا أوكرانيا وفرنسا.

هذا الغزو الروسي لهذه السوق المتقدمة في العالم أزعج واشنطن كثيرا على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية أيضا، وعلى ما يبدو أن واشنطن التي تستعين بالتكنولوجيا الفضائية الروسية أكثر من غيرها لا تقبل أن تحتكر روسيا هذا المجال الحيوي المتقدم لأنه يعطي سمعة جيدة للتقنيات الروسية كانت تفتقدها كثيرا في الزمن السوفييتي،

كما أنه أمر يثير المخاوف الأمنية والعسكرية حيث تعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير جدا على الأجهزة الفضائية في توجيه قواتها العسكرية، ولا تستبعد أن تصبح هذه الأجهزة عرضة للتشويش والتجسس الروسي عليها.

ويقول الجنرال فلاديمير بوبفكين قائد القوات الروسية الفضائية «إن لدى روسيا مركز رصد فضائي على ارتفاع 2200 متر من سطح البحر يسمى مركز نوريك، ويعتبر فخر صناعة الفضاء الروسية حيث يقوم برصد نحو 600 قمر صناعي تتبع دولا عدة، كما يرصد 80% من الأقمار الأميركية بما فيها أقمار تتبع البنتاجون وحلف شمال الأطلسي، ويستطيع رصد أى جسم على ارتفاع نحو 4000 كم، وله عشرة عدسات عملاقة وزن الواحدة منها يبلغ 40 طناش،

ويقول بوبفكين «إن لدى الولايات المتحدة أربعة مراكز أرصاد مشابهة لمركز نوريك الروسي، لكنه يتفوق عليها الأربعة بموقعه المتميز الذي يسمح له برصد أكثر من 70% من المدار الفضائي للأرض».

وأطلقت روسيا في العام الماضي مشروعها للأقمار الصناعية الصغيرة «نانوسات» وهي أصغر أقمار صناعية في العالم يمكن حملها في اليد ويبلغ وزنها نحو 7 كيلوجرامات، وقد نجحت تجربة إطلاقها في أبريل من العام الماضي

حيث حمل احدها في يده رجل الفضاء الروسي ساليجان شاربيوف وخرج من محطة الفضاء الدولية للمجال الجوي ليضع القمر نانوسات في المدار حول الأرض وعاد للمحطة على مشهد من كاميرات التلفزيون العالمية، وقد سببت هذه الأقمار الصغيرة إزعاجا كبيرا لواشنطن لأنها مخصصة في الأساس لهدفين هما التجسس والتشويش على الأقمار الكبيرة.

ويتوقع أن تتصاعد الادعاءات الأميركية ضد روسيا حول الأقمار الصناعية، لكنها لن تصل لحد الخلافات القوية نظرا لأن كبرى الشركات الأميركية وعلى رأسها شركة بوينج العملاقة لا تستطيع في المستقبل القريب الاستغناء عن التكنولوجيا الروسية في هذا المجال بالتحديد.

جامعة سيبيريا