مشاهد الدمار وبرك الدماء وأنين الجرحى وعويل الثكالى ومشاعر الأسى التي تسحق أرواح آلاف النازحين يومياً إلى دول الجوار، ليست غير مظاهر مختلفة لواقع مشؤوم واحد يعيشه العراقيون في معظم مدنهم وخاصة العاصمة بغداد. لقد تبلد إحساس أغلبية العراقيين نتيجة سنوات طوال من الصداقة مع الموت الذي أصبح فيها رفيق درب للجميع. فمنذ دخل العراق حربه الأولى مع إيران في عام 1980 استمر مسلسل الحروب الخارجية المدمرة التي كلفته الكثير. فعلى مستوى الخسائر البشرية تجاوز عدد القتلى والمعوقين المليون وعلى مستوى الخسائر المادية أُرهقت ميزانيته بديون ثقيلة يصعب الإيفاء بها، هذا إضافة إلى إرث ثقيل من مشاعر الحقد والكراهية مع بعض دول الجوار.
وكأن كل ما مر من أهوال، لفترة تزيد على العقدين من السنين، لم يكن كافياً لإقناع العراقيين بفتح صفحة جديدة في تاريخهم والتوجه نحو البناء بروح جديدة، بدأوا بعد التاسع من أبريل عام 2003 في خوض حرب من نوع جديد ليس مع عدو خارجي بل مع بعضهم البعض في فصل جديد أخطر من كل فصول الحروب التي خاضوها على مدى الربع قرن المنصرم.
لقد أصبحت المفردات ذات العلاقة بالموت والخراب والمعاناة، يومية الاستعمال، في حياة الإنسان العراقي المحبط الذي حُوصر بين ماض سُحق في سنواته العجاف وبين مستقبل مجهول، أبواب التفاؤل نحوه موصدة. فهو لا يرى مخرجاً من النفق المظلم الذي حُشر فيه، وليس لديه تصور حول كيفية الخروج منه.
لقد رسم الحبر الأسود الذي كُتبت به آلاف المقالات لتحليل ما جرى ويجري في العراق من أحداث على مدى السنوات الثلاث الماضية، والتنبؤ بتداعياتها، صورة قاتمة سوداء لمستقبله، إلا أن الدم الذي سُكب لصناعة هذه الأحداث التي تجري كحلقات في مسلسل رعب يومي، قد رسم صورة قاتمة حمراء أقرب إلى الفهم، صورة أشبه بمقدمة لكتاب جديد قد اكتملت كتابته، فالمقدمة عادة تُكتب بعد أن يتم كتابة فصول الكتاب.
لقد تجاوز عدد ضحايا العنف في العراق منذ دخول قوات الاحتلال الستمئة ألف قتيل، حسب ما نشر في التقرير الذي صدر عن جامعة جون هوبكنز مؤخراً، ورغم أن هؤلاء قد صُرعوا لأسباب مختلفة إلا أن لها نتائج متشابهة، فقد نفيق في يوم قريب على أخطرها لنجد بأنه لم يعد هنالك بلد اسمه العراق وإن تأريخاً جديداً بدأ في المنطقة بعد أن اكتمل وضع الكتاب الذي يضم خارطة الطريق لنقل العراق إلى طور التشرذم والضياع.
لا يفوت من يتابع المشهد العراقي الحزين ملاحظة انهيار الدولة وفقدانها لمقومات الوجود الفاعل، فإذا أخذنا مبدأ الفعل ورد الفعل كقانون صحيح في الحياة نرى أن هذا المبدأ لا ينطبق على واقع الدولة العراقية، فهي إذ تتعرض من خلال تعرض مؤسساتها، إلى شتى أنواع التجاوزات، لا تبدي ردود الفعل المناسبة لذلك، فالأصوات المتحدية لهيبتها تتعالى مستخدمة لغة الاتهام وردود الفعل إزاءها ضعيفة تستخدم لغة الدفاع ليس غير.
إن ما يشهده العراق في هذه المرحلة تراجع كبير لدور الدولة لصالح تعاظم دور تنظيمات أقرب إلى الميليشيا العسكرية في تركيبها منها إلى التنظيمات السياسية، فهي تنظيمات تفتقر إلى الرؤية السياسية السديدة ويعوزها المشروع الوطني الذي يوحد العراقيين.
العراق بلد التآخي بين أعراق وأديان ومذاهب شتى عاشت بسلام عبر التاريخ، رسمت بوشائج علاقاتها المتميزة لوحات فسيفسائية حضارية جذابة، فالثراء الحقيقي هو في التنوع وليس في التشابه. ليس هنالك خلاف فقهي بين الطائفة السنية والطائفة الشيعية قد تأجج مؤخراً ليصبغ المشهد العراقي بهذه الدماء الغزيرة، ليس هنالك من خلاف بينهما أخفقت ردهات الحوار والتفكير الجاد والبناء في محاصرته داخلها فانطلق بين العوام ليتحول من تبادل هادئ للحجج المنطقية إلى تبادل عنيف بالقذائف، ومن حوار يهدف إلى بناء أفضل للإنسان إلى حوار يمزق الإنسان إلى أشلاء في الطرقات والمساجد والأسواق.
من يَقتتل الآن في العراق ؟ وعلام هذا الاقتتال؟ هل هو اقتتال طائفي؟، يُقتل فيه هذا ذاك دون أن يكون بين القاتل والقتيل سابق معرفة، بسبب هوية انتماء ورثها كما ورث لون بشرته. هل إن ما يجري في العراق هو حرب أهلية ؟ وهل وصل الاحتراب الطائفي الذي يشغل ويقلق الشارع العراقي إلى نقطة اللاعودة؟ من المسؤول عن تأجيج هذا الحوار غير المتمدن ؟ ومن الذي يدفع ثمنه ؟ من المسؤول عن هذا الاندفاع السريع نحو الهاوية، من يدفع ثمن كل ما يجري على الساحة العراقية من بُهتان؟
أسئلة يصعب الإجابة عنها دون تحديد جوهر الصراع بعيداً عن الاختزال الساذج، إن ما يجري في العراق صراع مصالح وإرادات سياسية تتداخل وتتقاطع فيه مصالح قوى محلية عراقية وقوى إقليمية، وليس صراعاً طائفياً وإن بدا كذلك. أليس السياسيون العراقيون والمصالح التي يمثلوها هم من أوصل البلد إلى ما آل إليه من بؤس ودمار. لم يكن العرق أو الدين أو المذهب سبباً للصراع عبر التاريخ قدر ما كان أداة لهذا الصراع يوظف من قبل من له مصلحة في إذكائه.
إن جوهر الصراعات في العالم كله، عبر التاريخ الطويل، هي المصالح الاقتصادية، أما العرق أو الدين أو المذهب فهي أدوات لهذه الصراعات توظف لأن لها قدرة تعبوية هامة فهي أدوات تحشيد لقوى الصراع توفر الوقود البشري الذي يحتاجه لهيبه. هنالك قلة من السنة تمارس القتل وهنالك قلة من الشيعة تقوم بالعمل نفسه، وهذه القلة من الطرفين تحركها مصالح من ينتفع بإدخال العراق في أتون حرب أهلية تقود إلى تقسيمه، ففي ظل ظروف يتغيب فيها الوعي عن الحضور قد ينزلق الجميع إلى صِدامٍ لن يجني منه أحد غير الشيطان.
من المشكوك فيه أن تتمكن النخب السياسية العراقية من تقديم حلول للأزمة الخطيرة التي تعصف بالعراق، فهي ركن أساسي في صناعة هذه الأزمة ولم تعد خيوط اللعبة في أيديها، كما لم تعد القيادات والمرجعيات الدينية قادرة، هي الأخرى، على الإمساك بزمام المبادرة بعد أن فقدت الكثير من البريق الذي تمتعت به في الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام السابق.
لقد أضاعت النخب السياسية العراقية فرصة هامة عندما رفضت التخلي عن صغائر الأمور لصالح عظائمها، عندما رفضت التجرد من المصالح الذاتية والمصالح الحزبية الضيقة انتصارا لمصالح العراق، فأضاعت بذلك فرصة الإمساك بعصا القيادة، فالهامش المحدود الذي تمتعت به في صناعة القرار مع وجود قوات الاحتلال قد تضاءل كثيراً بعد أن توصلت الولايات المتحدة إلى القناعة بأن عليها أن تفرض ما تراه مناسباً بعد أن أخفق الربابنة العراقيون في قيادة سفينتهم.
هنالك سياسات على درجة كبيرة من الأهمية توضع اللمسات الأخيرة عليها في عدة عواصم إقليمية وعالمية، وهنالك في هذه الأجواء الملبدة بالغيوم السوداء، التي تحجب الرؤية، بوادر أحداث جسيمة على وشك أن ترى النور وهي بالتأكيد ليست في صالح العراق إلا بالقدر الذي تصب في صالح قوات الاحتلال. فالاجتماع المتوقع بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء العراقي في عمان والذي جرى التمهيد له في زيارة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني إلى كل من العراق والسعودية، سيوضح الكثير مما يبدو مبهماً.
وحتى نرى ذلك يبقى الشعب العراقي في انتظار من يخفف من معاناته وتبقى تربة العراق متلهفة لاستقبال من يزرعها لا من يستلقي تحتها.
كاتب عراقي
ea.ten.setarime@lamajam