في أوائل السبعينات فقد المحافظون الجدد، المتحكمون حاليا في سياسة أميركا الداخلية وعلاقاتها الخارجية رائدهم في مجال السياسة وأصول الحكم. كان مهاجرا من اصل ألماني اسمه ليو شتراوس الذي تعلموا على يديه في هارفارد فكرة إعادة تشكيل العالم وفق تصورات محافِظة ترفع شعار التغيير الراديكالي المستمد أساسا من تراث الإغريق وتعاليم فلاسفتهم (التخصص الأساسي للبروفيسور شتراوس) ولو كان ذلك بإجراءات فرض الديمقراطية قسرا على مجتمعات الشعوب.
في منتصف نوفمبر الحالي فقد المحافظون الجدد أيضا شخصية كان لها تأثيرها الأهم كما نتصور، لا على فكر عناصر المحافظين وحدهم، بل كان التأثير ممتدا ليكاد يسع الفكر الاقتصادي في العالم كله..
لقد رحل عن الدنيا البروفيسور ملتون فريدمان الذي وصفته الدوائر الأميركية (نيويورك تايمز عدد 16/11) بأنه «الأستاذ الأعظم للنظرية الاقتصادية المحافِظة التي طالما شكلت قوة دافعة عبر مختلف الأقطار والدول في أنحاء شتى من العالم في إطار دعوتها إلى تحجيم سلطات الحكومة وتوسيع الاعتماد على حرية الأسواق وعلى مسؤوليات الأفراد».
عاش ملتون فريدمان 94 عاما بالتمام والكمال.. وحصل على جائزة نوبل العالمية الرفيعة في الاقتصاد في عام 1976. وأتاحت له سنواته الطويلة من العمل والإنتاج العلمي أن يعمق تأثيره على مدارس واتجاهات الفكر الاقتصادي في طول العالم وعرضه وخاصة خلال السنوات المحورية التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية.
كان ذلك في منتصف عقد الأربعينات ويومها وقف العالم على مشارف خيارات كانت مصيرية، في مضمار السياسة والاقتصاد على السواء.
كانت الشخصية المؤثرة على مسارات الاقتصاد العالمي وقتها هي شخصية اللورد جون ماينارد كينز (1883- 1946) وقد بلغ من أمر هذا التأثير وخاصة في غمار أزمة الكساد العالمي الكبير التي ألمت بالاقتصاد الغربي عبر ضفتي الأطلسي - أن خلعوا على الوصفة النظرية التي جاء بها هذا الاقتصادي البريطاني الكبير تعبير.. «الثورية» رغم أنها دخلت قواميس العلوم الاقتصادية تحت اسم «النظرية العامة».
هذه النظرية رأت أن أخطر ما يصيب أي نظام اقتصادي هو أزمة البطالة، بمعنى أن لا يجد أفراد المجتمع وظائف يلتحقون بها بكل ما ينجم عن ذلك من صعوبة كسب الأرزاق وضيق رهيب في المعايش وعدم دفع الضرائب وانهيار في المرافق والخدمات الاجتماعية فضلا عما يواكب مثل هذه الأوضاع من أمراض اجتماعية وأدواء نفسانية ناجمة عن افتقار الفرد للشعور بجدارته وقيمته كمواطن وإنسان.
من هنا جاءت دعوة كينز إلى إقامة المشروعات الكبرى التي تتيح فرص العمل لملايين العاطلين ومثل هذه الدعوة النظرية اقتضت في مجال التطبيق تدخّل الدولة وتفعيل مسؤولياتها عن تلك المشاريع العملاقة التي لا تستطيع إقامتها أو إدارتها فعاليات القطاع الخاص.
وإذا كان هناك مَن وصف هذا المنحى عند المفكر البريطاني بأنه تطبيق لما يُعرف بأنه «رأسمالية الدولة» فقد جاء صاحبنا الاقتصادي الأميركي فريدمان ليمارس عملية تنقيح أو مراجعة إلى حد الدحض والتفنيد لنظرية كينز «العامة» بكل حلولها «الحكومية» التي سبق ايضاحها لإخراج المجتمع من أحوال الكساد من ناحية ولإنقاذ أي مجتمع يمكن أن توصّله الحالة المناقضة - حالة الازدهار إلى آفة التضخم من ناحية أخرى.
رأى مليتون فريدمان أن الدولة - الحكومة - لها واجب مناقض تماما. وطبقا لهذا الرأي أو هذه الرؤية، فالدولة لا ينبغي لها أن تتدخل مباشرة في النظام الاقتصادي بل عليها أن ترفع يدها عن اقتصاد المجتمع وأن تترك العنان وتخلي الساحة لقوى السوق كي تقوم بدورها بحرّية، حسب قوانين العرض والطلب بطبيعة الحال.
بهذا المعنى كان فريدمان اقتصاديا محافظا لأنه رفض دعوة الاتجاهات اليسارية منذ الخمسينات بتحميل الدولة مسؤوليات محورية عن دورة الاقتصاد.
بنفس المعنى كان فريدمان من المحافظين الجدد لأنه استعاد مجددا أفكارا سبق طرحها في القرن الثامن عشر وقال بها «آدم سميث» أبو الاقتصاد الرأسمالي (1723- 1790) وهو أيضا مؤسس علم الاقتصاد وكان محورها دعوة إطلاق حرية المرور وحرية النشاط الاقتصادي (دعه يعمل، دعه يمر بالفرنسية) وفي هذا السياق بالذات كان آدم سميث يؤكد على أن أفضل الحكومات هي أقلها تمسكا بمقاليد الحكم وأخفها سيطرة على مقادير الاقتصاد.
وبهذا المعنى أيضا خلعوا على فريدمان وصف «الابن الروحي لآدم سميث». وكانوا بذلك يشيرون إلى ذلك النوع مما نسميه «السلفية الاقتصادية» التي كان من دأبها إطلاق العنان، كل العنان للنشاط الرأسمالي الخاص وللمبادرات التي يتخذها الأفراد وفي مقدمتهم طبعا فئة منظمي المشاريع الذين يُعرفون في بعض الأدبيات العربية باسم «أصحاب الفعاليات الاقتصادية».
وعندما ذاعت وراجت أفكار وطروحات فريدمان منذ العقد الخمسيني.. تابعها المفكرون والاختصاصيون تحت اسم «مدرسة شيكاغو» في الاقتصاد بقدر ما كانوا يتابعون الاتجاه المقابل أو فلنقل المناوئ المتمثل أيامها في مدرسة هارفارد ومعهد ماساشوسيتس الشهير لتكنولوجيا (المِتْ):
ـ المدرسة الأولى ومن أعلامها فريدمان كانت مدرسة اليمين المحافظ اقتصاديا ومن ثم سياسيا ومن ثم فقد تبناها وروّج لمقولاتها أركان ودوائر الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة ومنها دوائر كانت تضمر العداء للدولة بمعنى الحكومة وتعمل على تحجيم نفوذها والحد من سلطاتها لحساب توسيع أو تضخيم السلطتين الأخريين القضائية (المحكمة العليا) والبرلمانية (الكونجرس).
وربما بلغت ذروة النفوذ الذي تمتعت به مدرسة فريدمان في عهد ولاية الرئيس الأسبق ريغان إلى أن استشرى هذا النفوذ كما أصبح معروفا مع وثوب عناصر المحافظين الجدد إلى مواقع شتى من منظومة السلطة العليا في ولاية الرئيس بوش - الابن الحالية.
ـ ولما كان الاقتصاد والسياسة توأمان في إدارة دفة أي مجتمع.. فقد حملت المدرسة المناوئة في هارفارد وفي ألمت تيارات ضد - محافظة.. أو هي تيارات لبرالية ذات منحى يساري بصورة أو بأخرى.. وأشهر نماذج هذا التيار اللبرالي - اليساري هو البروفيسور نعوم شومسكي الأستاذ في معهد ماساشوستيس المذكور بكل آرائه التحررية المعروفة التي مازالت توجه سهام الانتقادات إلى الدولة الأميركية، لا بوصفها دولة بالمعنى المتعارف عليه،
ولكن بوصفها آلية استغلتها عناصر مناوئة للحرية والاستقلال من أجل شن غارات خارجية والانغماس في مغامرات سياسية وحربية كان من شأنها المصادرة على إرادة شعوب شتى ما بين أميركا اللاتينية إلى الشرق الأقصى وأفريقيا والشرق الأوسط. وفي كل حال يُحسب للاقتصادي الراحل فريدمان أنه كان شجاعا حين بادر منذ أواخر الأربعينات.
وحين رفض مقولات كينز بشأن تدخل الدولة، كان يسبح وحده ضد تيار عارم من تكريس طروحات المفكر الإنجليزي الكبير.. وهكذا واجه وحده الاتهام بأنه أوغل إلى حد مبالغ به في رفض دور الدولة وحكومتها.. ويومها أطلق فريدمان مقولته الشهيرة: «في كل جيل لابد أن ينهض شخص أو فرد ما ليقول كلمته أيا كانت العواقب وهو ما آليت على نفسي أن أقوم به».
ويحسب للاقتصادي الأميركي أيضا أنه قال كلمته وطرح آراءه.. ثم عاين وعايش تأثيره العميق على زملائه وتلاميذه لا في مجال العلم الاقتصادي وحسب، بل امتدت هذه التأثيرات - كما المحنا - إلى أعلى مواقع السلطة والنفوذ في منظومة الدولة الأميركية.
مع هذا كله فلم يسجل تاريخه الطويل أن تولى منصبا حكوميا.. فلم يكن وزيرا ولا سفيرا وإن شغل في بعض الأحيان موقع المستشار أو المنظِّر إذ كان اهتمامه منصّبا بالدرجة الأولى على أن يصوغ أفكاره ونظرياته في كتب اكتسبت أهمية مميزة عند دارسي الاقتصاد وأيضا عند متابعي ومحللي الشأن العام في أميركا وفي العالم.
يقول الكاتب الأميركي هولكومب نوبل (نيويورك تايمز، 16/11):( لقد جمعت أفكاره بين الاقتصاد والسياسة واهتم بأن يطرح هذه الأفكار بالذات في واحد من أهم كتبه وقد أصدره تحت عنوان «الرأسمالية والحرية» وخلاصته أن ايمان فريدمان بأن الحرية الاقتصادية هي السبيل إلى تحقيق الحرية السياسية).
بلغت أنظارنا في هذا السياق بالذات أن ثمة مفكرا كبيرا وحاصلا بدوره على جائزة نوبل في الاقتصاد هو «امارتيا سنغ» أستاذ الاقتصاد في كامبردج عمد إلى إصدار كتاب شهير بعنوان «التنمية بوصفها الحرية» وكأن المفكر الآسيوي الأصل يرى أن المسألة ليست هي الاقتصاد محافظا أو ليبراليا.. يمينيا أو يساريا بقدر ما أنه لابد وأن يكون اقتصادا إنمائيا.. ولاسيما في العالم الثالث الطامح أبدا إلى تحقيق الحرية والتنمية والاعتماد الموضوعي على الذات.
كاتب مصري