كم هو محزن هذا المشهد العراقي الذي يتكرّر كلَّ يوم حيث عشرات (وأحياناً مئات) من العراقيين يسقطون يومياً ضحيّة التعصّب والحقد والانتقام باسم الفروع المذهبية بينما الأصول الدينية والفقه المذهبي براء من هذا الإجرام ومن المجرمين لأي طائفة أو مذهب انتموا إليه.

كم هو مؤسف أن تتقاتل بعض هذه الفئات العراقية المتصارعة، في الوقت نفسه الذي تقاتل فيه القوات الأجنبية المحتلّة للعراق. فمن جهة تواجه هذه الفئات قوات الاحتلال عسكرياً، ومن جهة أخرى هي تخدم كل الأهداف السياسية التي يطمح لها أعداء العراق من حيث تمزيقه وإنهاكه وتشريد شعبه وكفاءاته وتدمير كل مقوّمات الحياة على أرضه.

وكم هو غباء سياسي حينما تدعو أطراف عراقية الدول العربية لمناصرتها ضدَّ أطراف عراقية أخرى تحت شعارات طائفية ومذهبية، وكأنَّ المطلوب هو تعميم الحالة العراقية على كل المنطقة وصبّ مزيد من النار على ألسنة اللهب المشتعلة في العراق والمهدّدة سخونتها لكل الجوار العربي والإسلامي، وممّا يحقّق منافع أكثر للقوى الإقليمية غير العربية وللتدخّل الأجنبي السافر.

إنَّ العراق يشهد الآن ما عاشه لبنان خلال عقد الثمانينات من مزيج رهيب من الحروب والصراعات، بعضها داخلي عائد إلى عطب في النظام السياسي وإلى صراعات على السلطة، وبعضها الآخر خارجي إقليمي ودولي تنافست فيه القوى المجاورة من جهة وأقطاب الحرب الباردة من جهة أخرى،

وكل ذلك في ظلِّ الاحتلال الإسرائيلي الذي وصل إلى بيروت عام 1982 وفرض رئيساً للجمهورية وأحدث مجازر «صبرا وشاتيلا» وأشعل حرب الجبل وتداعياتها، فالعراق الآن يعيش جملة عناصر مركّبة لأزمة واحدة صنعها الاحتلال، لكنه (أي الاحتلال) لم يصنع كل العناصر المتصارعة وإن كان يسعى لتوظيفها لخدمة مصالحه.

إنّ العراق اليوم فوق المقاومة التي يخوضها ضدّ الاحتلال هو ساحة صراع بين أميركا وإيران، وبين ميليشيات مذهبية مسلحة، وبين أتباع نظام قديم وعسكر نظام جديد، وهو أيضاً ساحة لجماعات إرهابية تكفيرية قدمت من أكثر من مكان لتقاتل في العراق أيّا كان غيرها.

كما أنّ العراق حالياً هو مختبر هام لمشروع التقسيم الطائفي والإثني الذي تعمل إسرائيل له في المنطقة منذ خمسين عاماً، وقد حاولت تنفيذه في لبنان أكثر من مرّة، ولها (لإسرائيل) الكثير من العملاء الذين يتحرّكون اليوم في العراق. العراق هو أيضاً منطقة صراع هامّة بين كل القوى المجاورة له، وما يحدث في أرضه يعني مباشرةً دول المنطقة كلّها، ولا يعقل أن تكون هذه القوى والدول بعيدة عن التأثّر بأحداثه أو التأثير فيها إذا استطاعت إلى ذلك سبيلا.

إنَّ إيران مثلاً معنيّة حتماً بما حدث ويحدث في العراق، وقد ازداد دورها الفاعل بالعراق كمحصّلة لفشل سياسة الاحتلال ولكيفيّة إدارة المحتل لشؤون العراق، وأيضاً نتيجة غياب المرجعية العربية الفاعلة ممّا جعل قوى عراقية عديدة كانت في موقع المعارضة لنظام الحكم السابق فيه تلجأ إلى طهران طلباً للمساعدة، خاصّةً في فترة الثمانينات التي خاض فيها النظام السابق حربه ضدَّ إيران، واضطرّت حكومات عربية كثيرة لمساندته.

ولم تكن قوى المعارضة العراقية آنذاك فقط من انتماء مذهبي واحد، بل شملت أيضاً قوى عراقية كردية وغيرها. الأمر نفسه حدث مع سوريا التي احتضنت قوى معارضة عراقية من مختلف الطوائف والإثنيات والاتجاهات السياسية، بحكم موقفها آنذاك الرافض للحرب على إيران والمتصادم مع نظام الحكم في بغداد.

إنَّ واقع حال العراق اليوم، كما كان واقع حال لبنان في حقبة الثمانينات، لهو مرآة تعكس حال الضعف والانقسام على مستوى المنطقة العربية كلها، وتدل على مخاطر عدم وجود مرجعية عربية فاعلة تتعامل مع الأحداث الأخيرة في المنطقة، كما كان الأمر إلى حدٍّ ما في حقبة التسعينات حيث لعب التحالف المصري ـ السعودي ـ السوري دوراً هاماً في ضبط أوضاع المنطقة وفي إنهاء الحرب اللبنانية من خلال «اتفاق الطائف»، وفي تأطير العلاقات العربية ـ الإيرانية.

أيضاً، كانت المرجعية الفاعلة لمصر عبدالناصر، في حقبتي الخمسينات والستينات كفيلة بمواجهة أي مخاطر انقسامية داخل الأوطان العربية، وبجعل القاهرة مرجعية أساسية لحلّ الأزمات الداخلية أو الحدودية كما حدث مع أزمات لبنان والعراق والكويت.

إنّ الخطر الداهم الآن هو على المنطقة العربية كلّها وليس فقط على العراق، أو لبنان أو فلسطين. ففي هذه الأزمات الثلاث صراعات ترتبط دون شك بمشكلة الاحتلال وبالحكومات القائمة، لكنها تعبير أيضاً عن تفاعلات ووقائع قائمة تعيشها وتشهدها الأمَّة العربية كلَّها.

وهي نتاج طبيعي لتدخّل أجنبي يحدث دون إرادة عربية مشتركة في مواجهته، فيحصل الاستفراد بالأوطان لكن في إطار المشروع الأميركي الواحد لكل منطقة الشرق الأوسط. ومع هذا المشروع الأميركي، يتحرّك على الأرض منذ سنوات، المشروع الإسرائيلي الهادف إلى تقسيم البلاد العربية لتكون الدولة اليهودية الأقوى هي المهيمنة على الدويلات المتصارعة،

وعلى جوار حدود الأرض العربية، ينمو المشروع الإقليمي الإيراني، والمشروع التركي أيضاً، وباستفادة قصوى من خطايا السياسة الأميركية ومن غياب المرجعية العربية ذات المشروع الواحد لمستقبل الأمّة العربية.

إنَّ المنهج «الشمشوني» السائد الآن في المنطقة العربية سيؤدّي إلى «أفغنة» معظم بلدانها. فسياسة «عليَّ وعلى أعدائي يا ربّ» تمارس الآن في العراق حيث ينتحر البشر وينحر بعضهم البعض وهم يقاتلون «العدو» الداخلي والخارجي،

وهذا المنهج «الانتحاري-النحري» لن يقيم دولاً عادلة حرة مستقلة، ولن يحافظ على وحدة أوطان أو شعوب، وقد يدفع بالمحتل للخروج من الباب لكنّه لن يلبث أن يعود من نافذة الصراعات والحروب الأهلية بشكل أقوى وأعتى.

إنَّ ما حدث ويحدث في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة يؤكّد أهميّة التوافق على ثلاثية الديمقراطية والتحرّر والهويّة العربية. فالعملية الديمقراطية من خلال الانتخابات التي جرت في هذه المناطق الثلاث كانت سقفاً أميركياً لا يجوز تجاوزه إلى المطالبة بالتحرّر من الاحتلال، أو إلى تأكيد الهوية العربية، بل أرادت حكومة واشنطن عكس ذلك من العملية الديمقراطية.

أرادت الديمقراطية السياسية بديلاً عن حرّية الأوطان، ومدخلاً لصراعات داخلية تضمن الوصاية الأجنبية وتنزع الهويّة العربية لاستبدالها بهويّات طائفية ومذهبية وإثنية، تحت مُسمّى «الشرق الأوسط الجديد». إنَّ الصراع على «الهُويّة» في المنطقة العربية هو جوهر الصراعات السائدة الآن، وهو صراع دولي ـ إقليمي في إطاره العام الجاري حالياً، ويريد البعض تحويله إلى صراعات طائفية ومذهبية في أكثر من مكان.

لكن صمّام الأمان لوحدة الأوطان والمجتمعات العربية يكون في التأكيد على الطبيعة السياسية للصراع وفي ملء الفراغ الكامن عربياً من حيث انعدام المرجعية العربية الفاعلة والمشروع العربي الواحد لمستقبل الأمَّة وأوطانها. وهذا المشروع لن تقوم له قائمة ما لم تكن حاضرة فيه، ومعاً، ركائزه الثلاث: الديمقراطية والتحرّر الوطني والهويّة العربية.

مدير «مركز الحوار العربي» ـ واشنطن

moc.rawehla@rawehla