أثناء الحرب العالمية الثانية خسر معسكر الحلفاء نحو 50 مليون نفس، لكنه يحتفل منذ 1945 بالانتصار على النازية والفاشية. وسقط من الجزائريين مليون شهيد أو يزيدون قبل أن ينالوا شرف الاستقلال عن فرنسا. ويعتز الفيتناميون بانتصارهم على الولايات المتحدة رغم أرواح الملايين الثلاثة التي دفعوها ثمناً لذلك.

في معظم نماذج حروب الاستعمار والتحرير كانت تضحيات المدافعين عن الاستقلال أكبر بكثير من خسائر المعتدين. لكن المرجفين بالمقاومة الفلسطينية والعربية ضد الغزوة الصهيونية الاستعمارية لهم رأي مختلف. فهم يتخذون من عدم التوازن بين التضحيات الباهظة لهذه المقاومة وبين خسائر الغزوة المحدودة سبيلاً لتثبيط المقاومين وشعوبهم، بدعوى أن هؤلاء الأخيرين مرشحون للهزيمة.

هنا يبدو المنظور الكمي وقد استخدم بحيثية ظاهرها الموضوعية وباطنها المخادعة!.. ففي معالجة الظواهر الإنسانية بالغة التعقيد، كالصراعات الاجتماعية الممتدة، ربما أدت الاستعانة بلغة الأرقام، بمعزل عن مجموعة المحددات والمدخلات المحيطة والمؤثرة بالنسبة للقضية موضع الجدل، إلى نتائج مضللة.

لا يصح مثلاً أن ندعى بأن أحداً ما قد تحسنت ظروفه المعيشية لمجرد أن دخله قد زاد من مئة وحدةٍ نقديةٍ ما عام 1990 إلى مئتين منها عام 2006.. إذ لابد هنا لصحة النتيجة من احتساب مدخلات أخرى،قد يصعب تقديرها رقميا ،مثل ما قد يكون طرأ على احتياجات هذا الشخص الاقتصادية وتطلعاته الاجتماعية وسلوكياته الاسنهلاكية.. إلخ.

مثل هذا القياس الكمي مع الاحتراس والحذر من اللبس والتعمية التي تنطوي عليها الإحصاءات الباردة الميكانيكية، ينطبق تماماً على قراءة سيرورة الصراع على أرض فلسطين وجوارها. وهنا بعض النماذج.. فالقول بأن إسرائيل «ابنة البارحة» في عام 1948 تمكنت يومذاك من هزيمة جيوش «سبع» دول عربية، بعضها أقدم من بناء الأهرامات،

يبدو صحيحاً ظاهرياً وحسابياً فقط. فهو كي يستقيم منطقياً وفي العمق، ينبغي أن يقترن لزاماً بمعطيات وقيم أخرى، بعضها رقمي أيضاً، من قبيل أن الدولة الجنينية إسرائيل تمكنت من حشد أربعة أمثال حجم الجيوش العربية السبعة عُدةً وعتاداً ورجالاً مدربين. فإن قيل ولِمَ كان هذا التفاوت؟، كان علينا سرد وقائع ومدخلات لا حصر لها،

تبدأ ولا تنتهي بالسياق التاريخي السياسي الاجتماعي الاقتصادي، الحضاري بعامة، المزامن والسابق على وقوع تلك الحرب ومدى تأثيره على الطرفين، وتداعيات انحياز القوى الاستعمارية للجانب الصهيوني، ومستوى وحدة الجيوش العربية ميدانيا.. إلخ. ورب متسائلين هنا ولماذا حارب العرب في ظروف غير مواتية لهم ؟، والرد هو هل كان الأفضل أن تختطف الصهيونية فلسطين بلا أية مقاومة؟!. ثم من أدرانا وأدرى السائلين إلى أي حدٍ كان المشروع الصهيوني سيغوص في أرض العرب ودمهم فيما لو تُركَ على غاربه بلا مقارعة، سواء تعلق الأمر بأيام نشأته الأولى أم بالمراحل التالية، وصولاً إلى الوقت الراهن؟.

ويتصل بالوقوع في محظور الاستناد إلى المقاربات الإحصائية وحدها عند تقويم المنازلات الإسرائيلية العربية جميعها، وليس فقط حرب 1948، ان يقال بتفوق إسرائيل وقوامها بضعة ملايين (خمسة ملايين راهن!)، على أمة العرب ذات الثلاثمئة مليون الآن!.

إن منظوراً كهذا يحجب، حتى عن الرؤية الحسابية، عشرات ملايين الصهاينة من اليهود وغير اليهود، الداعمين لإسرائيل على كل الصعد وبغير حدود . هذا دون الاستطراد إلى المدد اللامحدود أيضاً من قوى دولية متقدمة وغالبة وظاهرة بكل المعاني في دنيا العلاقات الدولية. ثم انه لا صحة للزعم بأن العرب واجهوا إسرائيل بكامل طاقتهم في أية جولة قتالية معها!.

ولا يدرأ شبهة خطل التحليل أو سوء النيات عند بعض أنصار مدرسة الإحصائيين، أن تُشير محاجاتهم إلى دور «الرديف الخارجي» لعدد الإسرائيليين وعُدتهم وإمكاناتهم من القوة بمعناها الشامل، وكأنه مجرد «ملحق» أو متغير ثانوي بوسع إسرائيل الاستغناء عنه. الأمر يتعدى هذا الفهم المبتسر، لأن هذا الرديف مدخل ثابت وأساسي جوهري التأثير، بالنسبة لمسار الصراع وتعريف أطرافه، ومن ثم بالنسبة لمصيره.

هذا أو يُجيبنا هؤلاء عما كان سيؤول إليه الصراع العربي ضد إسرائيل فيما لو خصمنا منها «القوة المضافة» التي تتمتع بها نتيجة انتمائها للغرب ومدده اللاممنوع واللامقطوع عنها وعلاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة؟. وعلى سبيل السخرية من عجاف حصاد نضال العرب في مواجهة إسرائيل، يحتج البعض بأن هذه الأخيرة تخسر في حوادث الطرق أرواحاً بمعدل يفوق ما يسببه هذا النضال سنوياً.

وهذا الاحتجاج يمثل الذروة في منهجية الاعتماد على المقارنة الإحصائية الظاهرية أو الصورية، بلا تدبر في المقدمات والحيثيات والدلالات بعيدة الغور. فإسرائيل تستطيع تَقَبُل خسائر حوادث الطرق ولو بلغت عشرات الألوف ،لكنها لا تملك هذه الأريحية إذا تعلق الأمر بالمقاومة الفلسطينية أو العربية لها مهما كان الرقم ضئيلاً.

هذا أمر شرحه يطول. لكن موجزه أنها تتعامل مع دلالات الخسارة في الحالتين.وفي هكذا سياق يعنيها ويشغل بالها ألا تخسر مستوطناً واحداً من جراء الرفض الفلسطيني أو العربي لكينونتها أو أهدافها.. يعنيها أن لا يكون ثمة صوت واحد يناقشها هذه الكينونة والأهداف ويشكك في أحقية وجودها تاريخياً وحقوقياً. فهذا الصوت ينذرها بوجود من يتربص بها ويجتهد لمقاومتها واسترداد حقوقه منها. وهو أمر نفهمه من سنن «الاستعمار الاستيطاني» بالذات التي ينام بنصف عين طالما بقي بين أصحاب البلاد الأصليين من ينبذ شرعيته ويستخف بمشروعيته.

ويظهر اتساق إسرائيل مع هذا الفهم من ردود أفعالها على بعض تصرفات الفلسطينيين. فالأسلحة البدائية التي يُبدعها هؤلاء، تبدو في عقيدتها الفكرية والعسكرية كمكونات قوة حقيقية رادعة ومؤثرة، ليس لفعاليتها الميدانية أساساً وإنما لدلالاتها وإيحاءاتها على أفق المقاومة، مقاومة أصحاب البلاد، وكيف أنهم بعيدون عن دائرة الاستسلام، وكيف أنها بناء على ذلك بعيدة عن أمل الانتصار النهائي والإفلات التاريخي بجرائمها.

لا يجدر في كل حال التقليل من شأن المنهج الإحصائي في تبصر الظواهر الإنسانية، ومنها الصراع الذي نحن بصدده بين إسرائيل والعرب.. بيد أن هذه الظواهر أعقد بكثير من أن تقاس تفاعلاتها كمياً وبالأرقام الصماء فقط.

كاتب وأكاديمي فلسطيني