خمسة وثلاثون عاما والمشروع الاتحادي يمضي بحمد الله دون تعثر بفضل الكثير من المقومات التي عززت بنيته وكفلت استقراره، ومهدت لمستقبل أبنائه وتطلعاتهم، والقادم يبشر بالاخضرار في المسيرة الاتحادية نتيجة تراكم التجارب من قبل الحكومة الاتحادية، والسلطات المحلية، واختمار ملموس للحياة الدستورية،
ووجود رغبة في تفعيل أدوار المؤسسات الاتحادية ولا سيما دور المجلس الوطني، إضافة إلى مسعى الحكومة الاتحادية حاليا إلى الاستفادة من خبراتها بإعادة هيكلة العديد من المؤسسات كالإعلام والتعليم وغيرها واستنباط رؤية تلبي احتياجات المواطن في ضوء مستجدات الواقع.
وحتى لا يغدو العيد الوطني مجرد مناسبة روتينيه تمر دون أن نتوقف عندها ونتأمل الحكمة من هذا الاحتفاء، يجدر بنا أن نتوازى مع عمق التجربة الاتحادية التي لا تزال في عمر ناهض فتي،ونتقاطع في الوقت نفسه مع التحديات التي تواجه هذا الكيان والملفات المفتوحة التي تشكل رهانات صعبة أمام الدولة، بل لعل هذه المناسبة باعث لتجديد الروح الوطنية تجاه قضاياه للتأكيد على أن دور الأفراد لا يقل عن دور الحكومة.
والحوار الأخير الذي أجرته جريدة الشرق الأوسط اللندنية مع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، قد استقرأ العديد من هذه الملفات واقترب من رؤية سموه الحاضرة والمستقبلية تجاهها، وتجاه الكثير من الموضوعات ومهّد لاستشراف زمني لكثير من «العلاجات»،
يبقى أن يستلهم المواطن من هذه الرؤية حافزا لمواكبة ما تصبو إليه القيادة الواعية بمشاكلها الداخلية منها والخارجية،ويبدأ في نقد الذات بإعادة قراءة معطيات واقع دولة الإمارات بكل ما تحمله من تفاصيل والعمل على تقليص المسافات بين فكر القادة والسياسات العامة وبين إمكانات تبنيها لتشكيل رديف ناجح لتطلعات الوطن الذي لا يتحقق إلا بسواعد أبنائه المخلصين.
وفي السياق ذاته يبرز دور المواطن في التعامل مع ملف خلل التركيبة السكانية الذي يظل ساخنا رغم تقدم عمر الدولة،ولا نريد أن نهوّل من الخطر الذي يترتب على هذا الخلل لأنه هائل بالفعل، وبالعودة إلى موقف المواطن من هذه المعضلة نجد انه متورط وان لم يكن منغمسا في كثير من السلوكيات السلبية والمتاجرة بالوطن تحت غطاء التأشيرات السياحية،
والخدمية وغيرها والتي أفرزت عمالة سائبة ومقنّعة رغم التشديدات والغرامات التي تفرضها الدولة لكن لا يزال هناك من يضرب بعرض الحائط المصلحة العامة بتغليب مصلحته الشخصية، وإذا توقفنا أكثر عند موضوع التركيبة السكانية نجد متى ما احترم المواطن قيمة العمل وأهمية الاستفادة من مزايا المواطنة بتوظيفها بأسلوب يتماشى مع احتياجات سوق العمل الخاص،
فانه سيتفوق على نظيره الأجنبي بل سيحقق ربحية أعلى من اكتفائه بالدراهم القليلة التي يكسبها من وراء التراخيص التجارية التي لا يستفيد منها غير النزر اليسير، ناهيك إلى إيجاد فرص مستقبلية لنماء المؤسسات الاقتصادية العائلية التي تحقق رخاء على شريحة واسعة من المواطنين إضافة إلى صقل خبراتهم المهنية ورفع مستوى الدخل الفردي، ويترتب عليه توفير نمط من التعليم لرفع كفاءة الإنتاج، وهذا ما تحقق اليوم في بعض المؤسسات الوطنية العملاقة.
وإذا تجاوزنا مشكلة التركيبة السكانية فإننا سنصطدم بمشكلة أكثر إيلاما وهي مشكلة الهوية الوطنية التي نخشى عليها من الذوبان مع هذا السيل العرم من البشر الذي يعج بهم الوطن والذي بات على حال وأصبح على حال، فالإماراتي اليوم يحمل مسؤولية الحفاظ على خصوصيته بتبني سياسة العودة إلى الأصالة وغرس قيم العادات والتقاليد في النشء الذي بدأ يرتاد الجامعات المختلطة،
ويجد نفسه غريبا بين أكثرية تضطره لمسايرتها، ومع الوقت نجده منسلخا عن مجتمعه والطامة أن ينسلخ عن هويته الإسلامية، وهذا ما نراه اليوم في اغلب الجامعات فالتسريحات الغريبة والملابس الأكثر غرابة تعبر عن هوية وثقافة الوافد الأجنبي، ولا تتناسب مع مستوى العلم، بل تجد أن هناك فجوه بين هذا المواطن الصغير وبين جيل الأب، والفجوة تكبر ونفقد معها مشروع مواطن أصيل ليحل بدله مواطن بالاسم فقط، مما يترتب عليه كثير من قيم التحرر غير المسؤولة وضياع جيل بل أجيال.
من المشكلات التي تواجه ابن الإمارات في عيده الوطني الخامس والثلاثين مشكلة القروض البنكية الشخصية، التي نتمنى مع صباح كل عيد وطني أن نضع حدا لهذا الاستنزاف في مدخرات الأبناء، والتي تتزايد سنة عن سنة لتتجاوز في نهاية العام المنصرم السبعين مليار درهم، والتساؤل الذي يفرض نفسه أين ذهبت هذه الأموال؟، وكيف وظفّت؟، وما الفوائد المترتبة عليها؟،
وإذا حاولنا أن نستطلع رأي اغلب المقترضين سنجد بعضهم يعيش في هم الدين، بل هم تجديد الدين بمعدل سنوي، وتحوله إلى مستعبد لدى البنوك، يعمل فقط من اجل تسديد القرض وليس من اجل تحقيق رفاهية أسرته، ومع موجة الأسواق المالية المستحدثة على الإماراتيين،أغرت البعض بإمكانية الربح السريع وتحوله إلى مليونير في ظرف قياسي مما نتجت عنه خسائر مضاعفة مع خسائر أسواق الأسهم الأخيرة،
لنكتشف في ظل غيمة القروض ومشاكلها، غياب قيمة الادخار عند المواطنين، وإذا اتفقنا أن هناك قصورا في التربية لتعليم هذه القيمة العظيمة للأبناء التي من شأنها حماية مستقبلهم وثرواتهم من الهدر، فان المفارقة أن تكون قيمة الاستهلاك البديل المستحوذ على نمط حياة المواطن، والتي باتت تهيمن حتى على الأطفال وأصبحوا أكثر استهلاكا من الكبار، وهنا لا بد من وقفة مع الذات لإنهاء الوضع المزري للحياة مع الديون، ولنتكاتف لنمضي نحو مجتمع بلا قروض ولعل هذا أضعف الإيمان.
على الرغم من حداثة مشوار التجربة الاتحادية حين مقارنتها مع عمر الدول وتجاربها الزمنية إلا أن اتحادنا دخل بوابة التاريخ بانجازاته الحضارية وقهر الكثير من التحديات وتخطى العديد من المعضلات التي واجهته في بداية النشأة، ولا يزال هذا الوطن في تطلع مستمر وتحد دائم لإرساء قواعد التنمية المستدامة في مختلف المجالات اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا،
وإذ تكفلت الدولة بضمان توفير خدمات التعليم والصحة والسكن، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه المواطن الآن هو كيف يكون عنصرا فعالا في عملية التنمية وبخاصة وان الإمارات تعيش حالة مخاض التجربة البرلمانية المرحلية، وهذا لن يتأتى إلا باكتمال الرصيد من الوعي والثقافة، وبمستوى متقدم من التعليم، وبطموح في كسر جمود العقلية الإنتاجية،مما يعني مسؤولية متنامية في كل مرحلة من مراحل النمو.
كاتبة إماراتية