على الذين روجوا للخير القادم إلى العراق مع الاحتلال الأميركي أن يقنعونا الآن لماذا تبدد خير الاحتلال وتمدد شره كأفعى تزحف على كل شيء جميل في بلاد الرافدين.. الثروة والتراث الطويل من التعايش بين مذاهب وأعراق والسلم الأهلي. من دافع عن احتلال العراق قد يكتشف الآن أنه عمل محامياً للشيطان دون أن يدري، فالانجراف ضد معاداة الديكتاتورية وهي تستحق المعاداة قد أعمى الأبصار والقلوب، وجعل كثيراً من العراقيين يتصورون أن أي بديل لنظام الرئيس صدام حسين لا يمكن أن يكون أكثر شراً منه.

كنت واحداً من الذين تنظر إليهم فئة من العراقيين على أنهم يعادون التغيير، والحقيقة أني لست كذلك، بل أتوق إلى كل تغيير يعتق الإنسان من أغلاله ويعيد إليه حريته وكرامته ويتعامل مع جميع العراقيين على أساس المواطنة لا على أساس عرق أو مذهب أو دين.. غير أن الاحتلال كان ولا يزال في نظري أساس كل الشرور ومبعث تفجير كل التناقضات.

فالجندي القادم من أقاصي الأرض حاملاً عتاده لم يأت إلى هنا لأنه يعشق سواد عيون العراقيين، بل لأن من أرسله له أجندة خاصة يسعى إلى تحقيقها وله مطامع لن يعود دون حصدها.. وإذا افترضنا جدلاً أن الأميركي كان مبرأ من الأحقاد والمطامع، فكيف نأمن لأناس خادعوا وزوروا الحقيقة من أجل أن يبرروا لشعبهم المخدوع وللعالم غزو العراق واستندوا إلى خيالات وأكاذيب عرضوها على شاشات التلفزة وفي قاعة مجلس الأمن دون حياء.

كانت النتيجة أن الطرف الوحيد الذي استفاد مما جرى هو إسرائيل، فرئيس وزرائها ايهود أولمرت أعلن جهارا قبل أيام قليلة أن غزو العراق كان نعمة لبلاده.. وإذا كان الأمر كذلك فليس مهماً أن يكون نقمة على العالم كله.. كل العرب الذين أيدوا الغزو وتحمسوا له من تحت الموائد يعضون الآن أصابع الندم.. فلا الحرية عادت ولا الديكتاتورية زالت.. ولا الدولة المهابة التي كانت بقي لها أثر.

نجد أنفسنا الآن أمام كيانات تتمترس وراء الطائفة أو المذهب أو العراق.. وبعد أن كان للعراق عنوان واحد أصبحت له عناوين شتى، وبعد أن كان دولة مركزية قوية لها كلمتها ودورها في النسق العربي تشظى وصار عبئاً بدلاً من أن يكون سنداً، وهكذا انتقلنا من بلقنة لبنان إلى لبننة الصومال إلى صوملة العراق.. ولا ندري ما إذا كان في جعبة القوة المهيمنة عالمياً واقع جديد تريد أن تخلقه في دولة عربية أخرى لكي نبحث عن مصطلحات جديدة تتناسل من البلقنة واللبننة أم لا؟

احتلال العراق هو السبب الأول لأي استقطاب يمكن أن يجري في عاصمة الرشيد وأي بحث عن وأد للفتنة بمعزل عن خروج المحتل بمثابة الجري وراء سراب.. فتقسيم العراق وبلدان عربية أخرى كان ولا يزال هدفاً استراتيجياً أميركياً - إسرائيلياً، ينكره الأميركيون أمام العدسات لطمأنة دول الجوار، بينما هم يعملون لخلقه واقعاً على الأرض.

التعيس في الأمر أن ما يجري في العراق يمكن أن يتمدد، فإثارة النعرات العرقية والمذهبية في منطقة بنت مجدها على التمازج والتعايش بين الملل والنحل والثقافات لعبة خطرة.. فالاستعمار يدرك أن تاريخ تحضرنا وقوتنا الذي كتبناه، إنما كتبناه حينما كانت المواطنة هي أساس الدولة الإسلامية.. لا فرق بين مسلم وكتابي ولا بين عربي وأعجمي، ولا بين سني وشيعي.

أما حينما بدأت الخلافات العرقية والمذهبية تطل برأسها فلم نعرف إلا الحروب والضعف والتشرذم والتخلف. كشأن كل استعمار يريد الأميركيون اللعب على تناقضات هذه المنطقة وإثارة النعرات الفارغة، والهدف المعلن والواضح كيانات ضعيفة من المحيط إلى الخليج تكون تل أبيب هي مرجعيتها ومفتاح الدخول إليها.. وهذا مصير أسود إن حدث فلن يبقي حجراً على حجر ولن ينتهي مخزون الشر الكامن فيه، بل سيطال الجميع شرقاً وغرباً وأولهم القوى التي أشعلت صاعق التفجير.

اليد التي تعبث في العراق هي ذاتها التي تحاول إعادة لبنان إلى زمن التقاتل والذبح على الهوية وليست عواصم عربية كما يراد لنا أن نصدق.. إنها يد سوداء تعمل في الظلام.. تغتال وتفجر السيارات الملغومة، والتشظي الحادث الآن يحتاج إلى رجال حكماء، فما يراد لنا واضح وضوح الشمس، علينا إذاً أن نحدد ما الذي نريده لأنفسنا..

magdishendi@hotmail.com