مرة أخرى يتصدر لبنان مانشيتات الصحف العالمية. ومرة أخرى، وبالتأكيد لن تكون مرة أخيرة، يسيل دم الإنسان اللبناني هباء ودون مقابل كما ذهبت دماء العراقيين والفلسطينيين هباء دون أن يحرك العالم الإسلامي والعربي ساكناً.. بعد أيام قليلة سوف ينسى اللبنانيون مقتل وزيرهم.. كما نسوا غيره من قبل.
وكما نسوا ضحايا الحرب الأهلية في السبعينات ومقتل رفيق الحريري ومن تبعه ونسوا ضحايا قانا في الحرب الأخيرة. فالعرب تعلموا النسيان أكثر من أي شيء آخر في مسار تاريخهم الطويل.
إن مقتل بيار الجميل وزير الصناعة اللبناني قبل أيام يجب أن يكون ويظل ويبقى عبرة لكل اللبنانيين بجميع طوائفهم. فالموت بهذه الطريقة البشعة والرخيصة في آن واحد أصبح سنة من سنن تصفية الحسابات على أرض لبنان ودفع المنطقة بأكملها إلى طريق لا أحد يعرف ولن يعرف نهايته إلا بعد فوات الأوان.
والدرس الذي يجب أن يتعلمه اللبنانيون ـ ويبدو أنهم ما زالوا مصرين على عدم رغبتهم في تعلم دروس وعبر الماضي أو حتى الحاضر من دروس وعبر ما يجري على بعد بضعة كيلومترات فقط من دولتهم سواء في بغداد أو غزة وفي المنطقة برمتها من حولهم ـ هو أن تفككهم بهذه الشكل يقدمهم فريسة سهلة على طبق من ذهب لكل من يريد ابتلاع لبنان أرضاً وشعباً وتدميره اقتصاداً وديمقراطية. وهذا التفكك بدأ يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم ويمكن مشاهدته من على بعد آلاف الأميال وبالعين المجردة. وكأنما قرر اللبنانيون العودة مرة أخرى إلى نقطة الصفر.
لقد برز في الفترة الأخيرة اتساع الهوة بين القوى السياسية المختلفة في لبنان، وأصبح الشارع يتحدث عن قوى 14 آذار وقوى المعارضة. وما لا يريد أن يفهمه اللبنانيون جيداً (تعمداً) هو وجود قوى أخرى خفية كونت لها كيانها في الظل منذ زمن طويل ولا تعمل ضد أي من الطرفين:
فهي في الحقيقة مدفوع لها مقدماً من الخارج وتعمل لضرب كافة الأطراف فيما بينها وتفجير لبنان من جديد بحرب طائفية ثانية دامية ومدمرة كسابقتها. وهذه القوى تعمل بخطة محكمة لصالح جهات خارجية غير لبنانية بالطبع، والكل يعرفها ولكن البعض يحاول تجاهلها أو التغاضي عنها لأنها تخدم بعض أهدافه.
فبعد أن فشلت القوات الإسرائيلية في تحقيق مخططاتها في لبنان تماماً كما فشلت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في العراق، اتجهت كلتا الدولتين (الوحيدتين اللتين تعيشان حالة حرب مستمرة من بين كل دول العالم) باستخدام نقطة الضعف لدى الشعوب العربية: إثارة الفتنة الطائفية.
ولتحقيق ذلك، كان يكفي لدفع بضعة دولارات لبعض العملاء لتفجير سيارة مفخخة في ضريح الإمام موسى الكاظم وقتل بعض المصلين من المسلمين الشيعة، ثم بعد أيام القيام بتفجير سيارة مفخخة قرب مسجد تابع للسنة وقتل بعض المصلين من المسلمين السنة، لكي تبدأ حرب داحس والغبراء بالتهام أصحابها. وكذلك كانت الحال في فلسطين من خلال ضرب فتح بحماس... وهكذا.. وهي سياسة تعلمتها إسرائيل والولايات المتحدة جيداً من خبرات الاستعمار البريطاني سابقاً في المنطقة...
وهي سياسة ناجحة مئة بالمئة... كافة المؤشرات تدل بوضوح لا يدعو إلى أي شك على أن اغتيال بيار الجميل لا يخرج عن هذا الإطار وعن هذه السياسة وعن هذا التكتيك التقليدي خاصة بعد الهزيمة المؤلمة التي منيت بها إسرائيل في جنوب لبنان، وبعد التفاف كافة الشعب اللبناني حول المقاومة.
وبعد تنامي شعبية حزب الله رغم الدمار الذي حل بالمناطق التي يكثر فيها الشيعة، وبعد خروج حسن نصر الله على الملأ أمام ما يقارب المليون لبناني جاءوا من مختلف الطوائف، وبعد تنامي قوة المعارضة التي ضمنت تقريباً إسقاط حكومة السنيورة.
وكانت كل المؤشرات تدل أيضاً على أن سقوط حكومة هذه الأخير باتت مؤكدة. والكل يعلم أن سقوط هذه الحكومة يعني بالحرف الواحد تحقيق المعارضة هدفها من خلال فرض مواقفها وكلمتها في حكومة الوحدة الوطنية التي جند لها كل إمكانياته. وهذا ما لا يتمناه عدو لبنان اللدود: الدولة العبرية.
فلا أحد يتصور أن يقوم النظام في سوريا (الذي يفترض أن يقيم حساباته جيداً خاصة بعد ما تعرض له من مضايقات وتهديدات خارجية بعد اغتيال رفيق الحريري) أن يقوم في مثل هذه اللحظة الحاسمة والصعبة التي تمر بها المعارضة في لبنان بارتكاب خطأ فادح بهذا الحجم يؤدي إلى تعقيد موقفه دولياً أولاً ويعرقل الطريق أمام المعارضة المحسوبة عليه في لبنان ثانياً!
وبالتأكيد لا يمكن أن يكون للمعارضة أي مصلحة في هذه الجريمة التي جاءت في توقيت حرج جداً بالنسبة لها. ولا يمكن أيضاً أن يتصور أحد أن تقوم قوى 14 آذار نفسها بمثل هذه الجريمة البشعة بحق أحد أبنائها البارزين بهدف إضعاف زحف المعارضة. و إلا ستكون جريمة مضاعفة.
والأغرب من حادثة الاغتيال نفسها هي تصريحات قوى 14 آذار التي ذهبت بعيداً في اتهاماتها وربما هي أكثر من يعلم من هو القاتل الحقيقي لبيار الجميل. ولا يمكن أن يتخيل أحد أن الساسة من رجال هذه القوى يفتقرون إلى أبسط مبادئ التحليل السياسي في مثل هذه الحالات والظروف.
فالجريمة وتوقيتها والكيفية التي تمت بها والشخصية التي راحت ضحيتها كلها تشير على الفاعل الحقيقي! وهي أمور بديهية جداً لا تحتاج إلى محققين دوليين ولا على محكمة دولية!
ومن الأخطاء التي ارتكبتها قوى 14 آذار تصريحات بعض قادتها قبل عملية الاغتيال بأيام بوجود خطط لاغتيالات قادمة في لبنان تطال رجالها! دون أن تفصح عن مصادر معلوماتها.
الأمر الآخر الذي قد يؤخذ على قوى 14 آذار بعد أن تهدأ النفوس هو استغلالها لجريمة قتل راح ضحيتها أحد أبنائها لأغراض سياسية ودعائية! ومنذ الدقائق الأولى التي تلت الجريمة والتي لم تلبث أن نقلتها الفضائيات العالمية حتى انطلقت الأصوات بتوجيه الاتهامات يميناً وشمالاً. الأمر الذي ألقى بظلال من الشك ومنذ البداية على مصداقية تلك الاتهامات التي جاءت على شكل فرصة الانتقام من الخصم في لحظة عاطفة.
خاصة وأن نفس تلك المشاهد قد تكررت سابقاً مع اغتيال رفيق الحريري وغيره من الذين لحقوا به وإلى الآن لم يتم التعرف على الجناة الحقيقيين. فدم الوزير لم يبرد بعد، وكان من المفترض التأني حتى تنتهي مراسم الدفن، لكي نشعر على الأقل بأن هناك دلائل تم اكتشافها خلال فترة من الزمن ولو قصيرة أوصلتنا إلى الجاني المفترض، لكي يأخذ الاتهام شكلاً مشروعاً.
ثالثاً، ألقت قوى 14 آذار من خلال هذه التصريحات بالزيت على النار. وكان من المفترض اللجوء إلى لم شمل اللبنانيين قبل أن يكون الوقت متأخراً جداً، ولكي تكون مصلحة لبنان فوق كل اغتيال.
فمجرد اغتيال بيار الجميل يدل على أن الأوضاع تسير في لبنان من سيئ إلى أسوأ. وأنه قد حان الوقت للجوء إلى الحكمة والتعقل. خاصة وأن المعارضة اعتمدت في مطالبها على الحقوق التي يمنحها لها دستور الدولة. ولم تقم بإطاحة الحكومة بثورة بيضاء أو سوداء أو حمراء كما هو الحال في بعض دول العالم الثالث.
ونحن نتحدث عن دولة ديمقراطية كلبنان، يحق فيها لكل طائفة أن تعبر عن مطالبها بالشكل القانوني. غير أن اللهجة السائدة في لبنان حالياً تسودها الاتهامات المتبادلة: فهذه فئة محسوبة على سوريا، وتلك على الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا منعطف خطير قد يودي بكل ما قد بناه رفيق الحريري واللبنانيون معه. وبعد ذلك لن يعود لبنان مرة أخرى كما هو عليه الآن، ولن ينفع حتى العودة إلى الموافقة على تشكيل حكومة وحدة وطنية.
إن اللبنانيين (الذين تم استعمارهم ومقاتلتهم وتقاتلهم فيما بينهم بتحريك من الخارج) أذكى بكثير من أن يوصلوا بلدهم مرة أخرى إلى عمق الهاوية.
وأكثر حكمة من أن يتركوا لعناصر خارجية عن وطنيتهم وانتمائهم (حتى ولو كانت تلك العناصر دولاً كفرنسا أو الولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر لبنان ما زال مستعمرة من مستعمراتها القديمة في المنطقة) أن ترسم مستقبلها وتتدخل في شؤونها الداخلية وتقرر مصيرها بما يتماشى مع مصالحها وليس مصالح اللبنانيين.
ربما نسمع غداً (وهذا ليس مستبعداً على الإطلاق) باغتيال أحد أعضاء المعارضة (وبالتأكيد سيكون القاتل هو نفسه قاتل بيار الجميل)! وهكذا يكون لبنان قد دخل (كالعراق) في حلقة جهنمية... الشيطان أولها و آخرها!
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com