تردد مئات المرات على ألسنة السياسيين والكتاب والمثقفين وغيرهم في فلسطين ولبنان والعراق تعبير (حكومة الوحدة الوطنية) وجرت محادثات ماراثونية في هذه البلدان لتشكيل هذه الحكومة، باعتبارها حلاً لمشاكل عديدة تواجهها المجتمعات.

ورغم الأحاديث اليومية والتصريحات والاتصالات السرية والعلنية بين الفئات السياسية فيها لم يتوصل أي من هذه البلدان إلى الاتفاق على تشكيلها، وبقي الأمر حتى الساعة في حدود التمنيات أو المقترحات أو حتى التداول الذي لم يصل إلى منتهاه.

الحكومة هيئة جماعية أو إدارة تنفيذية مكلفة بتأمين إدارة البلاد وتحمل مسؤولياتها، ولا تعبر في الأنظمة الديمقراطية مبدئياً عن مصالح أبناء الشعب جميعاً وإنما عن مصالح أكثريتهم في ضوء برنامجها الشامل السياسي والتنموي والاقتصادي والاجتماعي والصحي والتربوي وغير ذلك،

هذا إذا كان نظام الحكم ديمقراطياً وإذا أتت الحكومة عن طريق صندوق الانتخاب الذي يفرز أكثرية يتولى ممثلوها الحكم بهدف تنفيذ برنامجهم وأقلية لها برنامج مختلف يتعارض في معظم الأحوال مع برنامج الحكومة، وتتم محاسبة الحكومة من قبل الهيئة التشريعية بمجملها على تقصيرها وقد تفقد ثقة هذه الهيئة فتسقط وتتشكل حكومة غيرها.

أما حكومة الوحدة الوطنية فأمرها مختلف كثيراً عن الحكومة العادية أو التقليدية في مهامها وأهدافها ومدة بقائها وطريقة تشكيلها، ذلك لأن الحاجة إليها تأتي لمواجهة أزمة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو كارثة طبيعية تقع على الأمة كلها مما يقتضي معه مواجهة شاملة لهذه الأزمة يشارك فيها الجميع ولا يستثنى أحد، فهي والحالة هذه حكومة طارئة لهدف طارئ لا يجوز أن تتحمل حكومة الأغلبية وحدها مواجهته ولا تقع عليها وحدها مسؤولية هذه المواجهة، أو هذا الحل،

فذلك يتطلب جمع جهود الأمة كلها باعتبار أن الهدف الذي جاءت الحكومة لتحقيقه عليه اتفاق تام بين أبناء الشعب جميعاً، يهم جميع مكونات المجتمع ويقتضي مشاركتها، وعليه فقد تُحل حكومة الوحدة الوطنية عند إنجاز مهمتها وتكون عندها مؤقتة ومرتبطة بهدف بعينه وتعود الحكومة بعد ذلك حكومة الأكثرية أو الحكومة العادية لتنفيذ برامجها التي كانت مدار خلاف، وهكذا فلا مجال إلا في الأزمات أو في المرحلة الانتقالية (في الغالب الأعم) لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية،

ومن البديهي أن يتم خلال تشكيل هذه الحكومة تجاوز التقاليد المعمول بها في تشكيل الحكومات وتناسي منطلقات الأغلبية والأقلية خاصة في المحاصصة وتوزيع الحقائب الوزارية أو توزيع المكاسب، ويكون البيان الوزاري أو ما في حكمه يضم هدفاً رئيساً يتعلق بالأزمة ولا يتناول القضايا الأخرى، وهكذا فالأزمات أو المراحل الانتقالية تشكيل حكومة وحدة وطنية، فهي إجراء استثنائي لمواجهة ظرف استثنائي.

يقع المجتمع الفلسطيني تحت الحصار منذ عام تقريباً إضافة للعدوان الإسرائيلي اليومي وهذه أزمة حقيقية تعصف بالمجتمع الفلسطيني، وقد بدا للجميع أن مواجهة المجتمع لما هو فيه يقتضي تجميع جهود أبنائه وأحزابه وتياراته السياسية وفصائله المقاومة وغير المقاومة.

فالخطر الداهم هو المشكلة الرئيسية التي ينبغي مواجهتها، وقد تعذر ذلك على حكومة حماس المشكلة من الأغلبية مما يقتضي توحيد جهود الجميع ومن هنا كانت حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية هي الحل ـ ربما الوحيد ـ لمواجهة الأزمة، وقد اقتنعت مختلف التيارات السياسية الفلسطينية بذلك وسعت جميعها لتحقيقه وبدأت المحادثات لتشكيلها منذ أسابيع ومازالت دون أن تصل إلى نتيجة واضحة محددة حتى الآن،

ذلك لأن الجميع يتناسون أو ينسون أن التعامل مع ممارسات العدو واتخاذ موقف موحد من الأهداف الرئيسية لا يتم من خلال حكومة عادية يسعى كل من خلالها إلى تنفيذ برنامجه ومصالحه الحزبية وكأن الظروف طبيعية، ولو تم الاتفاق على الهدف فلن تعود أهمية للمحاصصة ولا لعدد الوزراء المشاركين من كل طرف ولا لتوزيع مناصب الوزراء سيادية كانت أم عادية ولا لصلاحياتهم ولا لغيرها، فحكومة الوحدة الوطنية هي كل لا يتجزأ وبرنامجها محدد بنقاط بعينها ولا مجال للخلاف على تفاصيله أو سبل مواجهته.

ويعيش المجتمع اللبناني أزمة سياسية حادة تكاد توصله إلى حافة الهاوية، ويواجه مطالب وإملاءات للمعارضة وأخرى للأكثرية الحاكمة، وقد حاول الطرفان من خلال عدة اجتماعات تشاورية الوصول إلى اتفاق ففشلا، ذلك لأن كلاً منهما تعامل مع الأزمة بدرجة أو بأخرى وكأن حلها يتأتى من عقد صفقة مع الطرف الآخر، بالرغم من أن مبرر حكومة الوحدة الوطنية هو إيجاد حل في إطار توافقات واضحة لا صفقات ثنائية،

وليست التيارات والكتل السياسية اللبنانية بصدد إعادة النظر بالحكومة الحالية أو هي أمام تشكيل حكومة طبيعية جاءت لتدير شؤون البلاد والمجتمع وتنفيذ برنامجها الذي انتخبت على أساسه، إنما هي تسعى لتهدئة الأزمة والسيطرة عليها تمهيداً لحلها، وبعد أن يتم ذلك تعود كل من الأكثرية والأقلية إلى لعب دورها وتنفيذه في إطار اللعبة البرلمانية ومقتضيات الدستور،

أما ما جرى في لبنان فهو في الواقع لا يتجاوز البحث عن صفقة يحاول كل طرف أن يربح من وراء عقدها الحد الأقصى من المنافع والمصالح باتباع كل السبل للهيمنة على الآخر، مما يؤكد أن أحداً لا يبحث عن حكومة الوحدة الوطنية بمعناها الصحيح وبنائها السوي ولا يشعر أن البلاد واقعة تحت أزمة يقتضي حلها توافقات وطنية وحكومة وحدة وطنية محددة الأهداف والوسائل وربما محددة المدة، وإن لم يكن الأمر كذلك فإن الأزمة الحالية ستولد أزمات عدة أكبر منها وأخطر.

وفي العراق يتحدث الجميع عن مصالحة وطنية وصولاً إلى حكومة وحدة وطنية، وإذا كان الأمر كذلك فمن البديهي أن مهمة هذه الحكومة الأساسية هي الاتفاق على الموقف من الاحتلال ومواجهة المخاطر الأمنية فضلا عن بنية الدولة، أي مواجهة أزمة الحكم والاحتلال، فهل من الممكن أن تتفق الفئات السياسية العراقية على هذه المهمات حتى باتفاق الحد الأدنى؟ لايبدو أن ذلك ممكناً لتباين المواقف بل تناقضها،

وعليه فإن أي حديث عن المصالحة أو الوحدة الوطنية أو حكومة الوحدة الوطنية دون مثل هذا الاتفاق هو تضييع للوقت، وإن لم يتفق الجميع على تلمس الأزمة وأسبابها وطرق تفكيكها فإنما يحرثون في البحر ماداموا يتصرفون وكأنهم في نظام سياسي طبيعي (وديمقراطي كما يقولون). ويتحدثون عن الديمقراطية والأكثرية والأقلية دون رؤية الخطر الداهم الناجم عن وجود أزمة بنيوية في البلاد، لا يمكن حلها بالمحاصصة وتوزيع الغنائم.

كاتب سوري