هناك شيء من الترابط الكبير بين الإنسان، معتقداته ومشاعره وأفكاره، وبين ما يصدر عنه من سلوك، وإلا لما كان هناك تعبير مثل «هذا الشخص سلوكه حضاري» أو القول ان «هذا الإنسان أو أن هذه الإنسانة تتمتع بدرجة عالية من الرقي وسمو الأخلاق الذي يعكس شيئاً من بيئتها التي نشأت فيها».

وبطبيعة الحال السلوك يكتسب لدى الإنسان من البيئة، بيئته العائلية بالدرجة الأولى، والتي ينشأ فيها وتغرس فيه، منذ نعومة أظفاره، القيم والعادات والسلوكيات التي توده أو تتمناه أن يكون عليها في حياته وفي تعامله مع الآخرين. هناك أيضاً سلوكيات يكتسبها الفرد من البيئة التي يتواجد فيها، والتي قد لا تكون بالضرورة متشابهة في قيمها ومعانيها مع القيم والمعاني التي تعرف عليها في بيئته الأولى التي نشأ فيها.

مثال على ذلك خضوع الأفراد الذين ينتقلون للعيش في مجتمع ما بالسلوكيات التي يتمثلها ذلك المجتمع، حتى وإن كانوا في قرارة أنفسهم يمارسون تلك السلوكيات قسراً، وليس اقتناعاً، كأن يلتزم أناس لم يتعودوا النظافة بشكل كبير بسلوك يحترم نظافة الإنسان والمكان الذي يعيش فيه، أو أن يلتزم الشخص بسلوكيات معينة متعلقة بالحفاظ على الصحة أو البيئة غير ما عرفه في بلده الأصلي، أو حتى تعلم سلوكيات متعلقة بأشكال التعامل بين البشر.

والمجتمعات كما هو معروف، تتبنى لنفسها سلوكيات كثيرة، يدفعها نحو ذلك، بالدرجة الأولى، دافع المصلحة العامة، وكذلك الرغبة في المحافظة على الانسجام والشعور بالأمن والاستمرارية والحفاظ على الحياة.

ولأننا مجتمع تتحول فيه الحياة بشكل سريع وتتغير فيه أنماط البشر وسلوكياتهم، نتيجة للتدفق الكبير من الأجناس البشرية التي تأتي إلينا من بقاع مختلفة من العالم، وهم أناس لديهم أطباع وسلوكيات ربما لا تكون فقط غير متشابهة مع سلوكياتنا، ولكنها أيضاً قد تتناقض معها، فإننا مطالبون بالنظر في هذه المتغيرات بشيء من العمق.

ولأننا لا نملك حق القرار في الحد من هذا التدفق، أو تقنينه أو تنظيمه فإننا نطالب فقط أن تكون هناك منظومة مجتمعية أو قيمية أو سلوكية ينضوي تحتها الناس، حتى يتسنى لنا، جميعاً، وليس سكان البلد الأصليين فقط، الحفاظ على شيء من التناغم ورعاية البيئة التي نعيش عليها، في كل جوانبها. وأن يكون هناك شيء اسمه «المصلحة العامة»، هو الذي يحركنا ويدفعنا نحو تنظيم الحياة ورعايتها والاهتمام بها.

إن وجود أجناس كثيرة ومختلفة الخلفيات العرقية والثقافية والحضارية من البشر في بلدنا لا يعني فقط أن الاهتمام يجب أن ينصب من قبلنا على هوية المجتمع وقيمه الحضارية، وهو الهاجس الذي يشغل الكثيرين منا، لكن الاهتمام أيضاً يجب أن ينصب، وبالذات من قبل من يملكون صناعة القرار، على إيجاد أسس تنظم هذا التواجد وتدفعه نحو الانسجام والتناغم، وإلا فإن الصراع والتنافر سيكونان هما السمة الغالبة على حياتنا، أي أننا مطالبون بأن يكون هناك ما يضبط هذا التواجد بمنظومات قيمية وقانونية تحترم، ليس فقط البشر، ولكن حتى طبيعة الحياة التي يعيشون فيها وبيئتهم التي تحتضنهم.

إن الأمن والأمان مطلب مهم وضروري لحياة البشر الساعين نحو خلق وجود وكيان حضاري يستطيعون من خلاله تحقيق طموحاتهم وأحلامهم وصيانة حياتهم. كما أن عدم التجانس في المجتمع، أياً كانت طبيعته، يعتبر من الإشكاليات الحقيقية التي تواجهها المجتمعات التي يتكون سكانها من خليط من البشر مختلفي المشارب والأهواء،

خاصة حين يسعى هؤلاء إلى خلق شيء من الانسجام والتناغم والشعور بالاستقرار الحقيقي في حياتهم، لأن الاتفاق على شكل محدد من أنظمة وطبيعة الحياة أمر صعب حين يكون الاختلاف بين البشر كبير في الأفكار وفي السيق الحياتية وفي المعتقدات. وهذه أمور يدركها علماء الاجتماع، مثلما يدركها المفكرون المعنيون بالمجتمعات ومشكلاتها، أو البحث عن سبل الحياة التي تجعل المجتمعات أكثر استقراراً وانسجاماً.

ولأن أمور الانسجام، كما قلنا، صعبة بين أناس مختلفين في ثقافاتهم، فإن وجود سياق مجتمعي به شيء من الثبات والمركزية، يجعل أمر التفاعل بين هؤلاء ممكناً ضمن الأطر التي يضعها المجتمع ويحاول من خلالها تنظيم علاقاته ووجوده. من هنا تأتي أهمية أن يكون هناك سياق واضح للمجتمع وأن يفهم القادمون من بلدان مختلفة إلى البلدان الأخرى هذا السياق وأن يتفاعلوا من خلاله ومعه.

أي أنه لابد من وجود ضوابط، في أي مجتمع، حتى لا تكون هناك تجاوزات تزعزع وجوده أو تقوضه أو تؤثر سلباً على أفراده. وهنا يأتي دور القانون، مثلاً، أو الاتفاق العام في داخل المجتمع، على الأسس التي يجب أن يلتزمها الجميع حتى لا تصبح الأمور بها شيء من الخلخلة أو الفوضى أو التقويض.

وحتى لا تبدو الأمور التي تحدثت عنها وكأنها تجريدية، سأقترب من بعض النقاط أو الشواهد المرتبطة بواقع الحياة والتجليات المختلفة لمعنى وجود أناس لا تجمعهم أنظمة علاقات متجانسة، أو أنهم مختلفون في مبادئهم ومعتقداتهم، أو حتى أهدافهم في الحياة في مجتمعنا.

من بين هذه الشواهد ما يبرز أحياناً في بعض الصحف الناطقة بغير العربية، الانجليزية تحديداً، من مقالات لو أخذت بشيء من الدراسة والجدية فسيتجلى لنا أنها تعمل، بشكل ما من الأشكال، على خلق شروخ في داخل المجتمع، ولا تعمل على إلصاق فسيفسائه بما يساعد على انسجام صورها، كأن تكون هناك طروحات ذات مضامين عنصرية، أو طروحات تنم عن التحيز أو طرح أمور لا تتفق والسياق الثقافي المفترض لمجتمعنا.

آخر هذه المقالات ما ظهرت به إحدى الصحف غير العربية من حديث حول جمعية تسعى إلى تعليم الفتيات فنون الجنس. والطروحات أو الدعوات التي تضمنها ذاك المقال، يدور معظمها حول ما يمكن أن نقول انه دعوة أو تشجيع لهذا الموضوع.

وهنا لا بد من الاعتراف أولاً أن المجتمعات جميعها، بما فيها مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لا تخلو من أدب أو كتابات حول الجنس وأساليبه، وأن بعض هذه المواضيع كتبها أناس من المشتغلين بأمور الدين أو القائمين على شؤون الحياة في المجتمع الإسلامي من فقهاء أو قضاة أو غيرهم.

لكن الأمر هنا ليس متعلقاً بطبيعة طرح هذه المواضيع، وإنما بالسياق التي تطرح فيه والرسائل التي يتم تضمينها في الكتابات. فعلى سبيل المثال، إن أية صحيفة، أو وسيلة إعلامية أخرى، يكون لها انتشار بين مجموعة كبيرة من البشر يكون تأثيرها على المجتمع أكبر من أية مطبوعة محدودة الانتشار، وهذه مسألة بديهية يعرفها حتى الناس العاديون أحياناً، وليس بالضرورة العارفون بشؤون الإعلام.

من هنا يصبح للأمور خطورتها حين تكون الرسائل الإعلامية ساعية إلى تقويض الكثير من الركائز التي تنظم علاقات المجتمع وتحافظ على كيانه ووجوده، بخاصة في مجتمع مثل مجتمعنا متعدد الثقافات وتجتاحه قيم ذات أهداف مختلفة، وبعض هذه الأهداف غير معني بالإنسان إلا من حيث كونه أداة استهلاك.

لقد كتبنا، نحن المهمومين بشؤون إعلامنا المحلي، أو ذلك الذي يتخذ من الساحة المحلية ميداناً له، أكثر من مرة، وتحدثنا في لقاءاتنا وفي ندواتنا وفي مؤتمراتنا حول الإعلام وشؤونه عندنا، وتحدثنا حول أهمية وخطورة الرسائل الإعلامية التي يتلقاها أهل البلد، أو المقيمون فيه، خاصة حين تتضمن تلك الرسائل معاني لها اشكالياتها، لكن على ما يبدو ليس هناك من تجاوب من صناع القرار مع مثل هذه الطروحات.

والدليل أننا مازلنا نرى ميدان الإعلام مفتوحاً على مصراعيه أحياناً لكثير من الرسائل ذات المضامين القيمية المتعارضة، ليس فقط مع قيمنا نحن، ولكن متعارضة أحياناً حتى مع القيم الإنسانية. ومازلنا أيضاً نرى ميدان الإعلام من الميادين التي توكل شؤونها، في الغالب، لغير الضالعين فيها.

والأهم من ذلك، مازال أكثر العاملين في هذا الميدان يتعاملون مع الإعلام بكثير من السذاجة وبغير إدراك لخطورة الرسائل التي يبثونها على المجتمع، والتي تتضمن في جوهرها قيماً تتناقض مع ما نتمنى لمجتمعنا أن نكون عليه. والمثير أحياناً للتفكر، إن لم نقل الاستغراب، أن كثيراً من هؤلاء العاملين في ميدان الإعلام يتحدثون عن القيم وعن تعزيز كيان المجتمع والحفاظ عليه،

رغم أنهم هم في حقيقة الأمر من يسعون إلى تقويضه من خلال الرسائل الكثيفة والكثيرة المتضمنة لمعان لا تتعارض فقط، كما قلنا، مع قيمنا، ولكنها تسعى، كما يقول خبراء الإعلام، إلى بيع المتلقي للشركات المنتجة للمواد الاستهلاكية، وإلى جعلنا بلداء وسلبيين. فيا ترى ما الذي نحتاج إليه كي ندرك أن الرسائل الإعلامية هي إما حاملة لهواء نقي يساعدنا على التنفس بعافية أكبر، أو أنها نافثة للسموم التي تقوض من عافيتنا وأننا يجب أن نتخذ حيالها سلوكاً أكثر مسؤولية وأكثر حرصاً على مجتمعنا؟

جامعة الإمارات