بعد تلاحق وتواصل محطات الفشل في التوصل إلى إستراتيجيات واضحة وموثوقة تساعد الولايات المتحدة، وحلفاءها الغربيين في إعادة صياغة الشرق الأوسط من جديد، بما يتلاءم وطموحاتها في السيطرة، ويؤمن مصالحها إلى أمد بعيد، كان لابد من العودة إلى النصائح التي قدمها الرئيس الفرنسي جاك شيراك حين قررت الإدارة الأميركية شن الحرب على ما تسميه الإرهاب، إثر تفجيرات نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر 2001.

حينذاك قال شيراك إن مجابهة الإرهاب تستدعي معالجة ومحاصرة أسبابه ومن بين أهمها الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، فضلاً عن أسباب أخرى، غير أن الإدارة الأميركية اكتفت من هذا بطرح خارطة الطريق، لتحقيق ما يسمى برؤية بوش التي تعهد خلالها بإقامة دولتين متجاورتين فلسطينية وإسرائيلية، فيما لم تبذل من الجهد إلا أقله من أجل دفع عملية السلام قدماً نحو تحقيق تلك الرؤية.

وبدلاً عن ذلك شنت الإدارة الأميركية حروبها الفاشلة في أفغانستان والعراق، ودفعت إسرائيل لشن حرب بالوكالة ضد حزب الله ولبنان، وتركت لإسرائيل الحرية في معالجة الملف الفلسطيني من خلال العدوان والضغط المستمرين لإرغام الفلسطينيين على التسليم والقبول واقعياً بخطة الفصل أحادي الجانب التي قضت وأدت إلى خروج القوات الإسرائيلية وتفكيك المستوطنات من قطاع غزة في سبتمبر العام الماضي، وكانت تقضي بمتابعة الخطة تحت عنوان: «خطة الانطواء» في الضفة الغربية.

خارطة الطريق التي تضمنت رزنامة زمنية كانت تفترض قيام دولة فلسطينية في نهاية العام 2005، لم يكن لها أن تصل إلى غاياتها بعد أن جردها شارون من مضمونها حين طرح عليها تحفظاته الأربعة عشرة، وتخلت الإدارة الأميركية عنها فعلياً حين قبل الرئيس جورج بوش،

أن يأخذ تلك التحفظات بعين الاعتبار خلال عملية التنفيذ، وحين قدم لشارون في 14/4/2004 ورقة ضمانات، جاءت مخيبة لآمال الفلسطينيين والعرب الذين اعتبروها في حينه مشابهة لوعد بلفور. ورقة الضمانات تلك، أعطت لإسرائيل الحق في الاحتفاظ بالمناطق في الضفة الغربية التي يصادرها الاستيطان اليهودي، وتجاهلت موضوع القدس، واعتبرت أن من غير الممكن قبول حق اللاجئين في العودة.

ومنذ الإعلان عن خطة خارطة الطريق، وتشكيل الرباعية الدولية كآلية شكلية، لم تقدم الإدارة الأميركية الحد الأدنى من الجهد لدفع عملية السلام، كما أنها منعت الآخرين من القيام بمثل هذا الجهد، فيما قابلت إسرائيل خطة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في مارس 2002، باجتياح الضفة الغربية وإعادة احتلالها.

لم تنجح إسرائيل في تنفيذ خطة الفصل في الضفة الغربية وقد وضعتها جانباً كواحدة من نتائج عدوانها الفاشل ضد لبنان، حيث أعلن أيهود أولمرت عن تجميد العمل بها في 14/9/2006، لترتفع الصيحات من كل جانب مطالبةً رئيس الحكومة الإسرائيلية بطرح مبادرات، حتى لا يؤدي الفراغ السياسي إلى التعامل مع مبادرات أخرى قد تفرض عليها.

الحكومة الإسرائيلية التي تعاني جملةً من الأزمات الناجمة عن فشلها في الحرب على لبنان، وفشلها في الحرب على الفلسطينيين، لجأت إلى الولايات المتحدة حيث زارها رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود أولمرت في الثالث عشر من الشهر الجاري أملاً في أن يجد له حلاً عن بوش الذي تلقى ضربةً قوية على يد الديمقراطيين بعد فوزهم في الانتخابات التشريعية النصفية.

في ظل ضعف إدارة بوش، التي حصدت نتائج فشلها في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً في العراق، وضعف حكومة أولمرت التي فشلت في الحرب على لبنان والفلسطينيين، فضلاً عما أصابها بطريقة غير مباشرة، جراء الفشل الأميركي، كان من الممكن أن يرتفع أكثر من صوت في أوروبا، مطالباً بعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط.

فإذا كان ثمة ما يمنع إدارة بوش وحكومة أولمرت من استخلاص أحد الدروس الهامة، بعد مسلسل الفشل، فإن توني بلير الذي ترتب عليه أن يدفع جزءاً من ثمن سياسته الذيلية للسياسة الأميركية، قد تجرأ على الإعلان «أن أي سياسة تجاه العراق أو غيره، لا يمكن أن تنجح أو تحقق غاياتها ما لم يتم تسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي»،

ثم كأنه يطلق حكماً على مسيرة عملية السلام السابقة، دعا بلير إيران وسوريا إلى المشاركة في معالجة هذا الملف، مؤيداً فكرة انعقاد مؤتمر دولي للسلام. اسبانيا وإيطاليا اللتان تحررتا مبكراً من الملف العراقي، وانضمتا إلى فرنسا في الدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام، أبدت مدريد استعدادها لاستضافته، وهي دعوة تتلاقى مع دعوة وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الطارئ في القاهرة يوم الثاني عشر من الشهر الجاري.

وبالرغم من أن كلاً من بوش وأولمرت رفضا في وقت واحد المبادرة الثلاثية التي ترتكز على فكرة المؤتمر الدولي، إلا أن مصادر رسمية فرنسية ترى أنه من المبكر الحديث عن رفض إسرائيل لهذه المبادرة، فيما أعلن وزير الخارجية الاسباني أن هذه المبادرة قد نوقشت مع المنسق الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا الذي رحب بها ورحبت بها المفوضية الأوروبية.

وأيضاً مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس. المبادرة التي قالت عنها الناطقة باسم المفوضية الأوروبية أيما ايدوين إنها لا «تتضمن جديداً من حيث المبدأ»، تنص على وقف العنف بصورة شاملة بين الطرفين، وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وتبادل الأسرى وعقد مؤتمر للسلام.

هذا يعني أنها مبادرة جزئية غير مكتملة لا من حيث المضمون ولا من حيث الآليات، فضلاً عن أنها تحتاج إلى قوة دفع أكبر من قبل الاتحاد الأوروبي ككل الذي سيخضعها للنقاش في اجتماع القمة أواسط شهر ديسمبر المقبل. كخطة أو خطوة استباقية على تدحرج كرة الثلج أو لإفراغ المؤتمر من مضمونه، ألمح مسؤول أميركي يوم السبت 18/11/2006،

أن الإدارة الأميركية ربما تقوم بدفعة جديدة لسرعة بدء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد تشمل عقد مؤتمر دولي للسلام في الأردن نهاية نوفمبر الجاري، لكنه ربط هذا الاحتمال بتلبية الحكومة الفلسطينية التي يجري التفاوض بشأنها، للشروط التي وضعتها الرباعية الدولية.

الذين طرحوا المبادرة ليس في ذهنهم أو في وسعهم انتزاع الملف من يد الولايات المتحدة، فلقد طالب وزير خارجية اسبانيا ميغيل موراتينوس أميركا لكي تبادر إلى قيادة العملية السياسية وقيادة المؤتمر الدولي للسلام، وحتى لا يصطدم المبادرون مباشرةً بموقف أميركي يجهض الفكرة من أساسها، تعمدوا أن لا يقدموا أي تفسير إضافي لفكرة المؤتمر الدولي، والمقصود أنهم لم يقدموا أية مضامين أو آليات، أو مرجعيات، تاركين الأمر للتطورات اللاحقة، وقدرة الأطراف المعنية على فرض آرائها وتوجهاتها بهذا الخصوص.

بالعودة إلى فكرة المؤتمر الدولي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط بعد خمسة عشر عاماً منذ انعقاد مؤتمر مدريد والفشل في التوصل إلى السلام، تعود العملية برمتها إلى فكرة المؤتمر الدولي التي طرحها الاتحاد السوفيتي في النصف الأول من السبعينيات، إبان الحرب الباردة، ووافق عليها العرب في حينه ومنذ ذلك الوقت، لكن الولايات المتحدة وفي ظل التغيرات الدولية والإقليمية نجحت في استبعادها.

على أن تبلور هذه المبادرة من حيث الآليات والمرجعية والأهداف والقوى الدافعة يتطلب وضعاً فلسطينياً أفضل ينهض بوضع عربي يمكن أن يشكل أساساً لتوسيع التحرك الأوروبي، إذ لا يمكن أن يكون الأوروبيون ملكيون أكثر من الملك.

كاتب فلسطيني