بدأت بوادر التغيير تُستشف في العاصمة الأميركية واشنطن جراء فوز الديمقراطيين بالأغلبية لأول مرة منذ عام 1994 في الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب، إذ يرى المراقبون أن التغيير يبدو ملموسا خاصة في نبرة الرئيس بوش وخطابه السياسي، ولعل أبرز دليل على التغيير الحاصل هو إعلان بوش عن قبوله استقالة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد من منصبه في اليوم التالي للانتخابات.

وبعدما كان الرئيس بوش يتمسك بموقفه الرافض لتغيير استراتيجيته المتبعة في العراق ويصف الديمقراطيين الداعين إلى ضرورة تغيير خططه في هذا الشأن بالانهزاميين أصبح يعرب عن استعداده للاستماع إلى أية مقترحات جديدة لحل مشكلة العراق وتعهد بحملة عسكرية أخيرة في العراق.

في ضوء هذه التطورات جميعاً كيف يمكن للمراقب قراءة المشهد العراقي خلال المرحلة المقبلة، وإلى أين تمضي واشنطن في سياق ترتيبها للأوراق العراقية، وماذا عن الدور العربي والإيراني فيما يجري، وهل ثمة أفق لتغيير التكتيكات الأميركية، وما الذي سيترتب على ذلك أو خلافه؟ يبدو من الضروري الإشارة هنا إلى أن ما تسرب من توصيات لجنة بيكر يبدو كافياً للحكم عليها، فقد ذهبت اللجنة إلى الحديث عن عدة خيارات من بينها الانسحاب التدريجي من العراق صوب قواعد عسكرية في الداخل أو في دول الجوار بعد تسليم مهمة الأمن للعراقيين، ومن بينها التفاهم مع إيران وسوريا للمساهمة في الحل، من دون استبعاد خيار التقسيم إذا استمر الحال على ما هو عليه.

بالنسبة لواشنطن فقد رفضت إدارة بوش أي حديث عن جدولة الانسحاب من العراق قبل إتمام المهمة، لكن ترتيب ملف الأمن والانسحاب إلى قواعد عسكرية لا يبدو أمراً سهلاً، وهو للعلم ذات المخطط الذي اشتغلت عليه إدارة بوش منذ اليوم الأول، لكن المقاومة التي تستهدف قوات الاحتلال أفشلت المخطط، أما التفاهم مع إيران وسوريا فلا بد له من تنازلات لا تطيقها واشنطن، ويبقى خيار التقسيم الذي ينطوي على منح إيران إقليماً موالياً مع إضعاف جار قوي، وهو ما يعطل أولوية أساسية بالنسبة لإدارة بوش تتمثل في مطاردة الملف النووي الإيراني لحساب الأجندة الإسرائيلية. المعضلة بالنسبة لإدارة بوش هي أن جميع هذه الخيارات تنطوي على اعتراف بالفشل، وهو ما سيترك آثاره ليس فقط على مستقبل الجمهوريين خلال المرحلة المقبلة، ومن ورائهم المحافظين الجدد، وإنما على مستقبل هيبة ونفوذ الإمبراطورية الأميركية برمتها، وتبعاً لذلك تهديد المصالح الإسرائيلية، الأمر الذي يبدو مرفوضاً بقوة من طرف الساسة الأميركيين.

وفي هذا الطرح تبسيط لما يواجهه سادة البيت الأبيض من معضلات في سياستهم الخارجية التي اعتمدت نهج المواجهة العسكرية لفرض الحلول التي تراها مناسبة، أو للمساعدة في إشاعة «الديمقراطية» في البلدان التي تفتقدها خصوصا في تلك التي لا تروق للإدارة الأميركية المنفردة في هيمنتها العالمية، حيث لن تكون هناك تغيرات جذرية في الوصول للأهداف العامة التي وضعتها تلك الإدارة لها بعد رحيل رامسفيلد وتقلد روبرت غيتس مهمة وزير الدفاع، وهذا ما أكده الرئيس الأميركي ذاته ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس. وثبات أولويات السياسة الخارجية الأميركية ينطبق على ما أضحى مادة إعلامية دسمة تعالج قضية خلاف الديمقراطيين والجمهوريين حول أسلوب معالجة ملف القضية العراقية، فالمعروف أن تباين وجهات النظر بين الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة هو في تفاصيل المعالجات المرسومة في مطابخ سياساتهم، أما في جوهر الاستراتيجية العالمية والإقليمية للولايات المتحدة فلا خلاف بين الحزبين حولهما.

وعند اقتصار التدقيق على مواقف الحزبين من العقد الإقليمية في منطقتنا، نرى تطابق الرؤى والمعالجات والممارسة والموقف حول القضية الفلسطينية وإيران، والدعم المادي والمعنوي التي تلقته إدارة الرئيس بوش الابن من الديمقراطيين في حربها المزعومة ضد الإرهاب واحتلال العراق. الرئيس الأميركي ورغم إقالته وزير دفاعه المتحمس لحربيه في العراق وأفغانستان، لا يزال متمسكا بمساره أي بسياسته في العراق، فما الذي سيفعله الوزير العتيد إذا كانت الخطوات العسكرية والدبلوماسية الكبرى مرهونة بإقرار وموافقة الرئيس الأميركي نفسه؟ وهل ستتم مراجعة جدية من قبل الإدارة الأميركية لسياستها إزاء العراق؟

ان رحيل رامسفيلد ومجيء وزير دفاع جديد قد يتيحان إمكانية فتح حوار جدي بين الحكومة العراقية والإدارة الأميركية ومجلس الأمن لغرض توسيع صلاحية رئيس الوزراء العراقي وإطلاق يده في تحقيق الأمن في المدن العراقية التي ينهشها الإرهاب والفساد والميليشيات المسلحة والعصابات المنظمة.

من هنا يبدو من السابق لأوانه الحديث عن انسحاب أميركي من العراق، وما سيجري في المدى القريب هو استمرار المحاولات التقليدية للخروج من المأزق عبر العمل على شق صفوف المقاومة العراقية وإقناع بعض قواها بالتفاهم مع الاحتلال مقابل مكاسب هامشية كتلك التي تمنح للمنضوين في العملية السياسية من العرب السنة، والذين ثبت فشلهم في تحقيق أي من أهداف هذه الفئة؛ ليس الآنية كالتخلص من الموت والتهجير والإفراج عن المعتقلين، بل الإستراتيجية أيضاً ممثلة في عراق موحد ذي هوية عربية إسلامية بعيد عن نظام المحاصصة الطائفية المقيت.

benhadnal@yahoo.fr