لم تشهد دولة في التاريخ هجرة لعلمائها وخبرائها مثلما شهدت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وحتى ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، والتي أجبر الآلاف من علمائها على الهجرة للولايات المتحدة فإن خسارتها من العقول لم تبلغ حتى ربع خسارة روسيا على حد تقدير البنك الدولي واليونسكو اللذين قدرا عدد العلماء الروس المهاجرين خلال الخمسة عشر عاما الماضية بأكثر من مليون عالم وخبير وباحث، كما قدرا خسارة روسيا بسبب هذه الهجرة بنحو 120 مليار دولار، ومازالت الهجرة مستمرة وإن كانت بنسبة أقل عن سنوات التسعينات، مما دفع الحكومة الروسية لاتخاذ إجراءات عاجلة لوضع حد لنزيف العقول للخارج.
وقد أصدر الرئيس فلاديمير بوتين قرارا بإعداد برنامج يتضمن تهيئة كافة الظروف المادية والعلمية المناسبة لعودة العلماء الروس من الخارج، وبناء على هذا القرار تشكلت لجنة للاتصال بالعلماء والخبراء الروس المهاجرين للخارج خلال العشرين عاما الماضية، وبالتحديد مع بداية عملية البيروسترويكا التي بدأها ميخائيل جورباتشوف، والتي فتحت الباب لنزيف العقول الروسية للخارج، وسوف تقوم اللجنة بالتعرف على طلبات واحتياجات هؤلاء العلماء المادية والعلمية، والسعي لتوفيرها لهم، كما تقرر تخصيص دعم مادي كبير لهذا البرنامج من ميزانية رئاسة الدولة الفيدرالية، وطلب بوتين من اللجنة بحث حاجات روسيا من الخبرات والتخصصات الأجنبية غير المتوافرة فيها والسعي لجلبها من الخارج، بمعنى أن روسيا ستتحول من دولة طاردة للعلماء والخبرات إلى دولة جاذبة ومستقطبة لها.
وقال بوتين في لقائه بالعلماء: إن أوروبا وأميركا ودول أخرى تنمو وتتغذى على حسابنا ومن عقول وخبرات علمائنا، وعلينا أن نتنبه لذلك ونضع حدا له، وفي اجتماعه مع مجلس الرئاسة الخاص بالعلوم والتكنولوجيا المتطورة قال بوتين: إنني أعلم أن نسبة العقول المهاجرة من روسيا ليست كبيرة بالنسبة للكم الكبير من العلماء والخبراء المتوافر لدينا، ولكن المشكلة تكمن في أن المهاجرين من أكفأ وأندر التخصصات، وأن معظمهم من الشباب، الأمر الذي يشكل خطورة وربما كارثة إذا استمر نزيف العقول الشابة للخارج بينما لا يبقى لدى روسيا سوى كبار السن من العلماء، مما يعني أننا تدريجيا ممكن أن نفقد قاعدتنا العلمية البشرية، وتقدر وزارة التعليم والعلوم الروسية نسبة العلماء المهاجرين بنحو 6 % أي نحو نصف مليون عالم، والحقيقة أن المصيبة ليست في العدد بقدر ما هي في التخصصات.
حيث أن معظم المهاجرين من التخصصات النادرة والحيوية مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة الوراثية وعلوم الطاقة النووية والمجالات الطبية النادرة وغيرها، والعالم أو الباحث الروسي المهاجر يوفر على الدولة المهاجر إليها بحد أدنى ربع مليون دولار تكلفة إعداد عالم مثله، وإلى جانب استفادة دولة المهجر منه فإن الجامعة أو الأكاديمية التي يعمل فيها في الخارج تستفيد منه بشكل أكبر في جذب طلبة أجانب برسوم تعليم عالية ليتلقوا الدروس من الأساتذة والعلماء الروس، أي أن العالم والأكاديمي الروسي أصبح وجوده في الجامعة وسيلة دعاية لها ويدر على الجامعة الأجنبية أرباحا تفوق بكثير ما يتقاضاه منها.
وتقدر منظمة اليونسكو خسائر روسيا من هجرة علمائها حتى الآن بنحو 55 مليار دولار، بينما يقدرها البنك الدولي بنحو 120 مليار دولار ويقدر عدد الخبرات العلمية المهاجرة من روسيا خلال 15 عاما الماضية بنحو مليون عالم وأكاديمي وباحث.
وهناك ظاهرة أخرى يطلق عليها اسم الهجرة الداخلية، حيث هناك عشرات وربما مئات الآلاف من العلماء والباحثين الروس المقيمين في روسيا ولم يهاجروا منها يعملون لحساب جامعات ومراكز أبحاث وجهات أخرى أجنبية، ويتصلون بها عن طريق الانترنت، وبعضهم يقوم بزيارات سريعة لهذه الجهات، ولقد احتارت الحكومة في كيفية التعامل مع هؤلاء أصحاب الهجرة الداخلية، وانقسمت الآراء داخل مجلس الرئاسة الخاص بالعلوم والتابع مباشرة للكرملين والرئيس بوتين، وذهب رأي متشدد إلى التعامل مع هؤلاء باتهامهم بالعمل ضد الدولة لحساب جهات أجنبية، وإن كان لم يصل الأمر إلى حد اتهامهم بالعمالة أو الخيانة.
بينما ذهب الرأي الذي أيده الرئيس بوتين إلى عدم الضغط على هؤلاء العلماء والسعي للاستفادة منهم ومن اتصالاتهم العلمية الخارجية، وبالفعل وجهت الحكومة الروسية أوامرها إلى كل العلماء الروس الذين لهم اتصالات بجهات علمية أجنبية بأن يمدوا الدولة بكافة المعلومات العلمية المتوافرة لديهم، وكتبت صحيفة الاندبندنت البريطانية تقول إن « أجهزة الاستخبارات الروسية أجرت لقاءات مكثفة مع عشرات الآلاف من العلماء الذين لهم اتصالات علمية مع جهات أجنبية وطلبت منهم تقديم تقارير عن مضمون اتصالاتهم هذه، وطلبت من بعضهم التجسس للحصول على معلومات من هذه الجهات الأجنبية».
وكان رجل الأعمال الأميركي الشهير جورج سورس قد تبرع عام 1996 بمبلغ مئتي مليون دولار لجهات ومراكز بحث علمية في روسيا مقابل ربطها بشبكة الانترنت لتبادل المعلومات بينها وبين مراكز أبحاث في الولايات المتحدة الأميركية، وذهبت منحة سورس بالفعل لعشرات من المراكز العلمية في روسيا، والتي وضعتها المخابرات الروسية تحت الرقابة مؤخرا لاشتباهها في تهريب معلومات وأبحاث علمية مهمة وحيوية.
أما حول أسباب هجرة العلماء الروس للخارج فقد شهدت فترة التسعينات إهمالا كبيرا من الدولة بالبحث العلمي، وتوقف تمويل الدولة للأبحاث العلمية، ومع الانفتاح الاقتصادي وجد العلماء أنفسهم غير قادرين على توفير سبل العيش البسيطة لعائلاتهم مع الارتفاع الحاد في الأسعار، وتوقفت كل امتيازات وحوافز العلماء والباحثين، كما انعدم تماما دعم الدولة للتقنيات العلمية الحديثة ولمراكز البحث والمختبرات.
وفي الوقت نفسه انخفضت بشكل كبير قيمة براءات الاختراع لدرجة أن براءة اختراع جهاز طبي حديث لم تزد قيمتها على عشرين دولاراً، وبراءة اختراع سلاح حربي حديث 30 دولاراً لا أكثر، لقد شعر العلماء في التسعينات أن الدولة ليست بحاجة لخدماتهم، في الوقت الذي كانت هناك جهات أجنبية تتصل بهؤلاء العلماء وتعرض عليهم امتيازات وأجور تفوق بمئة ضعف وأكثر أجورهم في روسيا، كما أن هذه الجهات الأجنبية كانت توفر الإمكانات العلمية الحديثة للعلماء والباحثين الروس لمواصلة أبحاثهم وإنتاجهم العلمي.
نظام الرئيس بوتين أدرك خطورة القضية وبدأ بوضع حلول عملية لها، وفي أواخر أبريل الماضي أصدرت وزارة التعليم والعلوم الروسية قرارا برفع رواتب أساتذة الجامعات والعلماء بحد أدنى 1100 دولار شهرياً، بعد أن كان الحد الأدنى لا يتجاوز مئتي دولار، كما تقرر تخصيص جزء كبير من الميزانية الفيدرالية لتطوير وسائل ومراكز البحث العلمي وتوفير التقنيات الحديثة، كما وضع برنامج اجتماعي كبير يوفر للباحثين الشباب المسكن الملائم وظروف العمل المناسبة والإمكانات العلمية الحديثة، كما تقرر إرسال بعض هؤلاء الباحثين للدراسة في الخارج في المجالات النادرة في روسيا تحت إشراف الدولة ورقابتها.
ودعا الرئيس بوتين القطاع الخاص للاستثمار في البحث العلمي في المجالات التي يحتاج إليها في إنتاجه وعمله، وتشير المؤشرات إلى أن عددا ليس كبير من العلماء المهاجرين قد عادوا للوطن بالفعل خلال العامين الماضيين، وهذا مؤشر إيجابي على البدء في القضاء على ظاهرة هجرة العقول الروسية.
جامعة سيبيريا
