إذا كانت الورقة العراقية بتعقيداتها المربكة هي التي رسمت مصير الانتخابات النصفية الأخيرة للكونغرس الأميركي، فهي من غير شك ستبقى، على مدى الأمد القريب، الورقة التي تحظى بالاهتمام الأكبر في الدوائر السياسية الأميركية.

لقد تصاعدت في الآونة الأخيرة شدة الاهتمام بالأزمة العراقية على مختلف الأصعدة داخل الولايات المتحدة وفي أروقة الحكومات القريبة الصلة بهذه الأزمة. ولم يعد هنالك فائدة من التستر على الواقع الذي آلت إليه السياسة الأميركية في العراق ولا على الاحتمالات المفتوحة أمام مستقبلها خاصة بعد الفوز المتميز للديمقراطيين في انتخابات الكونغرس الأخيرة.

فالنصر العسكري الذي حققته القوات الأميركية في العراق لم ينجح في تحقيق نصر سياسي تسوقه الولايات المتحدة كنموذج لدول المنطقة، فقد فشل الفرقاء العراقيون، في الإطار الذي رسمته السياسة الأميركية، في التوصل إلى صيغة سياسية تنبثق عنها حكومة عراقية قوية تفرض سيطرتها على جميع أنحاء البلاد وتترجم العملية السياسية الديمقراطية إلى خطط ومسارات تنموية.

لم تخفت أصوات الديمقراطيين المطالبة بجدول زمني ذي أمد محدود لتقليص عدد القوات الأميركية في العراق، بل ازدادت ارتفاعا بعد فوزهم الأخير، وليس من السهولة بمكان، أمام الإدارة الأميركية، تجاهل هذه الدعوات أو إعارتها أذناً صماء. فكيف ستتمكن هذه الإدارة من مواجهة الزخم الجديد المعارض لسياساتها الذي أصبح يسهم في صناعة القرار وليس في تسليط الضغوط فحسب.

هنالك تياران يتجاذبان النفوذ في السياسة الأميركية حول الأزمة العراقية، وقد ازداد التناقض بينهما في ضوء التوازن الجديد في الكونغرس، ومن المتوقع أن يُصار إلى التوفيق بينهما في إطار سياسة جديدة تأخذ بنظر الاعتبار الحقائق التي تجاهلتها الإدارة الأميركية طيلة السنوات الماضية.

التيار الأول يقوده الرئيس الأميركي نفسه الذي لا يزال يمتلك القدرة على المناورة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية خاصة وأن أمامه خمسة أسابيع فقط قبل أن يبدأ الكونغرس الجديد في تعكير مزاجه مع بدء العام الجديد. فهو يرفض الحديث عن غير النصر العسكري في العراق رغم ما ورد في أقوال الجنرال جون أبي زيد القائد العام للقوات المركزية الأميركية في جلسة الاستماع أمام مجلس الشيوخ الأميركي من أن فرص النصر قد تضاءلت وأن الولايات المتحدة تقترب من إعلان فشلها في العراق محذراً من انسحاب سريع. وقد أضاف الجنرال المزيد من التشاؤم حول المستقبل في المحاضرة التي ألقاها في جامعة هارفرد التي دعا فيها إلى ضرورة الاستمرار في خوض الحرب ضد التيارات الدينية المتشددة وضد المليشيات التي تسيطر على الشارع العراقي محذراً بأنه ما لم يصر إلى ذلك منذ الآن، فإن على العالم أن يواجه حرباً عالمية ثالثة.

ولا يختلف السيناتور الجمهوري المحافظ جون ماكين مع الجنرال أبي زيد إلا في مطالبته بزيادة عدد القوات الأميركية في العراق لمواجهة التمرد، فهو يرى بأن الحل السياسي لن يتأتى إلا من خلال نصر عسكري.

أما التيار الآخر فيدعو إلى بدء انسحاب مبكر من العراق خلال الستة أشهر المقبلة، وذلك استجابة لضغوط الناخبين، ويتزعم هذا التيار السيناتور الديمقراطي كارل ليفين المرشح لرئاسة لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ في يناير المقبل.

الانسحاب من العراق بشكل كامل قد لا يكون أحد الخيارات للطرفين، فالولايات المتحدة لم تدخل العراق ولم تضع خطوطاً عامة لملامح الشرق الأوسط الجديد الذي تريده، لتحقيق طموحات محدودة لم تحصل عليها حتى الآن، وإنما لتحقيق أهداف بعيدة المدى ترتبط بالدرجة الرئيسية بالثروة النفطية الموجودة في هذه المنطقة بغية السيطرة الكلية على الإستراتيجية النفطية في العالم التي يمكن من خلال الهيمنة على مفاتيحها إعاقة صعود قوى عالمية ناهضة لتنافس الولايات المتحدة ونفوذها في العالم، ومن ضمن هذه القوى: الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والهند. فالتحكم بمصادر الطاقة تحكم بالمسار السياسي والاقتصادي لهذه القوى خاصة أنه ليس هنالك بديل واعد على المدى الزمني المنظور الذي يعوض النفط. فالولايات المتحدة نفطية الهوى، سواء كان شاغل البيت الأبيض جمهورياً أم ديمقراطيا، وليس في أجندتها ما يسمح بصعود قوة جديدة تنافسها في رسم ملامح العالم كما كان الأمر أبان فترة الحرب الباردة.

إذا سلمنا بهذه الحقيقة نرى بأن الطموح الأميركي الكبير قد اصطدم بجدار الواقع الذي لا يتيح للراصد إلا الاستنتاج بأن على الولايات المتحدة أن تتعامل بواقعية مع الأحداث في العالم، وإن السيناريوهات المطروحة أمامها والقابلة لإنقاذ الموقف من المزيد من التداعي، ليس بينها السيناريو الذي وضعته إدارة الرئيس بوش والذي ثبت عقم الاستمرار في التشبث به.

«ليست هنالك من فرصة لتحقيق نصر عسكري في العراق ولا بد من حل سياسي» ، هذا ما قاله وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر في التاسع عشر من نوفمبر الجاري لمحطة بي بي سي البريطانية. ورسم إنطلاقاً من حسابات واقعية، خطاً وسطاً بين الانسحاب والبقاء في العراق، هو في الحقيقة خط وسط بين الفشل والنجاح حين قال رداً على سؤال حول ما إذا كان الوقت قد حان لأن يغير الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء البريطاني سياستهما في العراق: «أعتقد إنه يجب علينا أن نتلمس هذا المسار ولكن لا أعتقد أن البديل هو تحقيق النصر العسكري أو الانسحاب الكامل».

مضيفاً بأن «فن القيادة يتمثل في إيجاد مسار يحمي قيمنا ومصالحنا ويحقق بعض التقدم في المنطقة من دون أن نتبع وبصورة عمياء إستراتيجية - بغض النظر عمن وضعها - أثبتت فشلها في تحقيق الأهداف». وقد دعا كيسنجر إلى عقد مؤتمر دولي يجمع الدول الأعضاء الدائمة العضوية في مجلس الأمن والدول المجاورة للعراق وكذلك الدول التي تتمتع بثقل إقليمي كالهند والباكستان للعمل معاً من أجل التوصل الى حل للوضع المستقبلي في المنطقة.

وفيما يتحرك اللاعبون الكبار من بعيد لرسم مستقبل العراق، يتحرك اللاعبون المحليون للإمساك بخيوط اللعبة، لسحب البساط من تحت أقدام الولايات المتحدة وبريطانيا، والإمعان في إحراج سياساتهما، فقد وجه الرئيس الإيراني في العشرين من نوفمبر الجاري دعوة لكل من الرئيس العراقي والرئيس السوري لعقد قمة في طهران، في وقت قريب، للتباحث حول مستقبل العراق متجاهلاً أهمية الدور الأميركي والبريطاني.

هنالك نقاط جوهرية لا بد من الإشارة إليها في معرض التنبؤ بالمسارات السياسية المقبلة تتلخص فيما يلي:

1 ـ لا تستطيع الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق في الوقت الحاضر، فالعنف المستشري فيه قد يدفع المنطقة إلى حالة عدم استقرار تدفع ثمنها لسنوات عديدة قد تتطلب عودة الولايات المتحدة إليها بهذه الطريقة أو تلك. كما أن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل تبعات الفشل الإستراتيجي وتداعياته على مستقبل سياساتها حيث تتعزز نزعة الانكفاء نحو الداخل وتتراجع ثقة حلفائها بقدرتها على حماية أنظمتهم.

2 ـ إذا كان لا بد من الانسحاب، وهو ما سوف يتم عاجلاً أم آجلاً، على الأقل من المدن إلى معسكرات أعدت سلفاً خارجها، فسيكون ذلك بعد تمكين الحكومة العراقية من تطوير مؤسساتها الأمنية ( الدفاع والداخلية) إلى الدرجة التي تمكنها من استلام الملف الأمني، وهو أمر يبدو غير عملي في الوقت القريب، فعملية تأهيل قوات الأمن العراقية مع كونها تتم ببطء شديد فهي غير سليمة، حيث سمحت باختراقات كبيرة لقوى لها مصالح في عرقلة العملية السياسية، ولا بد للإدارة الأميركية أن تعالج ذلك بسرعة عن طريق إتباع نهج سياسي جديد ورصد مبالغ إضافية، مما سيضعها في أول مواجهة مع الكونغرس الجديد.

3ـ الاستعانة بقوات من دول أخرى ليس للعراقيين حساسية من وجودها على أرضهم لفترة محدودة، من أجل تحقيق الأجندة الأميركية، إلا أن لذلك ثمنه على أصعدة مختلفة سياسية واقتصادية.

4ـ ـ إشراك إيران وسوريا في الحوار حول الشأن العراقي وهو ما أوصت به مجموعة دراسة العراق، وفي هذا المجال بالذات هنالك عقبات سياسية كبيرة أقامتها سنوات طوال من سياسات ومصالح متضاربة بين هاتين الدولتين والولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يكون ثمن تعاونهما مع الولايات المتحدة كبيراً، فمن المعروف أن هاتين الدولتان تسعيان لإقامة علاقات تفاهم وشراكة مع الولايات المتحدة وليس علاقات تبعية لها.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae