في السطور التالية نسلط الأضواء على تقرير مهم حصلنا عليه في الأيام القليلة الماضية. ترجع أهمية هذا التقرير إلى أسباب عدة أهمها ما يلي:
* انه صادر بعنوان نتصور أنه يهم صانع القرار وكذلك القارئ المثقف في الوطن العربي. والعنوان هو: «الطريق المتجدد نحو أمن الطاقة».
* إنه أحدث وثيقة من نوعها صادرة في هذا المضمار عن «معهد مراقبة الأرض» والذي مازال في طليعة المؤسسات البحثية والعلمية في أميركا وفي العالم. إن المعهد المذكور يتعامل مع التقرير الذي بين أيدينا بوصفه معلماً أساسياً وشاملاً فيما يتصل بالتكنولوجيات المتجددة المتاحة في مجال الطاقة وعلاقة هذه المسألة بقضية الأمن القومي في الولايات المتحدة.
إن محور التقرير يدور حول سؤال جوهري يقول:
- كيف تستطيع أميركا أن تزيد من أمنها القومي فيما تقلل من اعتمادها على النفط المستورد من الخارج فيما تخفف من حجم ووطأة الأضرار البيئية الناجمة عن حرق واحتراق مواد الوقود الاحفورية (النفط والغاز الطبيعي والفحم.. الخ).
في كل حال يحمل التقرير الذي نعرض لمضمونه عنواناً رئيسياً هو: «الطاقة الأميركية». وتذكر صفحاته الأولى أنه من وضع فريق من كبار العلماء الاختصاصيين الذين أنجزوا العمل بإشراف البروفيسور كريستوفر ملا؟ن رئيس «معهد مراقبة الأرض».
البعد الزمني لهذه الرؤية الأميركية هو بالطبع القرن الحادي والعشرون. أما البعد المضموني فيتمثل- كما ألمحنا - في ضرورة العمل على الحد من استيراد طاقة أميركا من خارج حدودها مع العمل على تأمين الإمدادات اللازمة لها، مع الوفاء بمقتضيات الأمن القومي، ومتطلبات إيجاد فرص جديدة للعمل.
وليس لأحد أن يتصور أن محور الحديث في هذا التقرير ينصبّ على آبار النفط أو الاقتصاديات النقطية أو أساطيل الناقلات أو شبكات الأنابيب لأن الحديث لا يقتصر على إمدادات الذهب الأسود ما بين الاستخراج إلى التكرير إلى الاستخدام في العمليات الصناعية.
الحديث يتوسع أيضاً ليشمل مجالات الزراعة بمعنى تطوير زراعات ونباتات محصولية مستجدة تتيح في المستقبل استخراج مواد قابلة لعمليات الاحتراق الداخلي ومن ثم توليد الطاقة (البرازيل نموذجا في هذا الخصوص).
والحديث يتسع نطاقه واهتماماته ليشمل كذلك استعراض الموارد والتكنولوجيات المستجدة وخاصة فيما يتصل بكفاءة الطاقة (بمعنى الاقتصاد في استخدامها والحد من إهدارها، وترشيد التعامل معها كموارد ناضبة أو قابلة للاستهلاك والنفاد بفعل الإفراط في الاستهلاك).
الحديث يتطرق كذلك إلى الموارد البديلة للنفط (الهاجس الأساسي سواء عند مخططي السياسة الأميركية فضلا عن واضعي تقريرنا بطبيعة الحال).. ومن هذه الموارد البديلة مثلا، طاقة المحروقات الإحيائية (بيوفيولز) ومعظمها مستمد من مخلفات النبات ونفايات الحيوان وما في حكمها.
والطاقة الحرارية الأرضية المستمدة من باطن القشرة الأرضية. وطاقة الرياح (مزارع الرياح كما يسمونها).
* الموارد السطحية المستمدة من الطاقة الشمسية وما يعادلها من طاقة الشمس الصحراوية كما يسميها التقرير.
* ثم هناك الطاقة الكهرومائية المستمدة من حركة مساقط المياه سواء الطبيعية أو المصنوعة في مشاريع شيدها الإنسان إلى جانب الطاقة البحرية التي يمكن استمدادها من حركة المد والجزر.
نلاحظ أيضا أن التقرير الأميركي لا يقصر اهتماماته أو فلنقل همومه على ما تصفه بأنه إنهاء إدمان أميركا للنفط (تكاد السطور تضيف عبارات لا تغيب كما يقال عن فطنة القارئ أو المحلل اللبيب - عبارات من قبيل نفط المصادر الخارجية. وبالذات من الشرق الأوسط وأيضا من فنزويلا).
إن هذه الاهتمامات أو الهموم الأميركية تشمل أيضا دعوات إيجابية يأتي في مقدمتها جدية التعامل مع ظاهرة تغيرات المناخ التي تهدد بالخطر تركيبة الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض. وتشمل كذلك استهداف تحقيق نسب أعلى من مكافحة تلوث الهواء والمياه..
أولا لأن الهواء الملوث يؤدي بداهة إلى اعتلال صحة الكائنات الحية من الإنسان إلى النبات إلى الحيوان، وثانيا لأن ارتفاع درجة المسطحات المائية في أنهار ومحيطات وبحار وبحيرات كوكبنا ظاهرة تهدد بدورها بذوبان المخزون الجليدي - بنك احتياطيات المياه العذبة اللازمة لمستقبل البشرية.
وغني عن التحليل أو التحذير ما ينجم عن مثل هذه الظواهر من أخطار تهدد هذا المستقبل، لا من حيث الرفاه ولا حتى من حيث نوعية الحياة.. بل من حيث استمرارية الحياة ذاتها..
وليس لأحد أن يزايد على أحد فيما يتصل ببديهية أن الكون كله، بموارده وإمكاناته ونواميسه وقوانين حركته خاضع لإرادة الله سبحانه وتعالى، ولكن ليس لأحد أن ينسى الطرف الآخر من نفس المعادلة، وهو أن خالق هذا الكون، عز وجل، استخلف الإنسان. في هذا الكون بمعنى أناط به دور القوامة والحراسة وترشيد التسيير والإدارة لزوم اكتمال رسالة العمران.
وإذا كان لنا أن نتعلم من دروس الآخرين المستفادة، فإن السطور الاستهلالية من التقرير الذي نشير إليه في هذا السياق، تؤكد لنا أن القوم استغرقوا حقبة زمنية قوامها ثلاثون سنة وتزيد من أجل تدارس قضية الطاقة الأميركية وسلامة التعامل معها وبخاصة من حيث ارتباطها وثيقا وبصورة عضوية مع حالة الأمن القومي..
ولنا أن نتصور أن هذه العقود الثلاثة من البحث العلمي الجاد ومن توظيف استثمارات طائلة من أجل إنجازه إنما بدأت مع منتصف عقد السبعينات.
. ولم يكن ذلك مصادفة بقدر ما أنها كانت - على نحو ما قال هنري كيسنجر في مذكراته المنشورة - أول عبرة مستقاة من قرارات حظر البترول التي هددت بها أوساط عربية في غمار المواجهة العربية - الإسرائيلية في حرب أكتوبر عام 1973 مع ما أعقب ذلك من تغير نظرة العالم إلى مجموعة الدول العربية - إمكاناتها وثقافتها وآفاق مستقبلها ولدرجة أن راجت في تلك المرحلة شعارات تقول: العرب أصبحوا، أو يمكن أن يصبحوا، القوة السادسة في العالم بعد أميركا وروسيا (السوفييتية أيامها) وأوروبا واليابان والصين والهند.
في التحليل الأخير، ورغم الآفاق التي استشرفها والوعود التي بشّر بها هذا التقرير، فلم يسع واضعوه سوى أن يعترفوا بأن المصادر المتجددة (غير النفطية) التي تسهم في إمدادات أميركا باحتياجاتها من الطاقة لم تزل محدودة بكل مقياس ومحصورة ضمن نسبة لا تزيد على 6 في المئة فقط من مجموع تلك الاحتياجات..
بيد أن هذه النسبة تضيف عبارات التقرير «كفيلة بأن تزيد وبسرعة في السنوات المقبلة». هنا نطرح من عندنا السؤال: لماذا وكيف؟
تجيب سطور التقرير بالحرف:
- لأن كثيرا من التكنولوجيات الجديدة التي تكفل حشد واستخدام المتجددات (أي مصادر الطاقة المتجددة غير القابلة للنضوب) سوف تصبح في القريب العاجل متنافسة اقتصاديا مع موارد الوقود الأحفوري (النفط - الغاز الطبيعي.. الفحم) التي مازالت تشكل نسبة 85 في المئة من احتياجات الطاقة الأميركية.
والمسألة ليست مجرد آمال عِذاب تجيش في صدور العلماء أو الباحثين ولا هي مجرد شعور بالزهو القومي. إنها بالدرجة الأولى مسألة سياسية مفصلية وقضية حيوية تتصل وثيقا باستمرارية أسلوب الحياة الذي ارتضاه الشعب الأميركي.. المسألة من واقع سطور التقرير تتلخص فيما يلي:
* أسعار النفط في حال من الارتفاع بشكل متصاعد.. ومخاطر الاعتماد على الإمدادات الآتية من الخارج تتفاقم بفعل عوامل شتى مما يزيد بدوره من خطر الاعتماد المدمن على الواردات النفطية..
وهناك أيضا الأخطار البيئية التي تهدد هواء ومياه الولايات المتحدة نتيجة استهلاك تلك الكميات الضخمة من الوقوع المستخرج من باطن الأرض وما ينجم عن احتراقه من أكاسيد وانبعاثات كربونية.. كل هذا يدفع بصورة لا مهرب منها إلى الالتزام بوضع التكنولوجيات الجديدة - تكنولوجيات البدائل والموارد غير القابلة للنضوب موضع التنفيذ العملي والاقتصادي.. وعلى نحو يتسع بغير انقطاع.
هذا ما كان من أمر تقرير علمي - سياسي أميركي صادر في الفترة القريبة الماضية. فماذا سيكون من أمر قومنا في عالم العروبة والإسلام؟ سؤال سيظل مطروحا بغير انقطاع.
كاتب مصري