لم يكن للصمت في أي وقت من الأوقات فضيلة مطلقة، كما لم يكن ذلك للكلام أيضًا، وإذا كان الصمت أبلغ في كثير من الأحيان، ويوزن كثيرًا بميزان الذهب في مقابل وزن الكلام بميزان الفضة، فإن الكلام ـ من وجهة نظر أخرى ـ واجهة العقل، وهو سيد لا يجوع.

وقد كان له عند العرب قديمًا - في ظروف خاصة، ووفق شروط محددة- قيمة تفوق قيمة الفعل، ومن مأثور أقوالهم في هذا الصدد ما جاء في المثل العربي: رب كلام أقطع من حسام.

وما بين فضيلتيْ الصمت والكلام، وحيرتنا إزاء تفوق كل منهما على الآخر، وقيمة أحدهما في مقابل قيمة الآخر نجد أنفسنا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فلا نعرف أنلزم الصمت ونبوء بذهبه، أم نلزم الكلام -الذي يفوق في قيمته الأفعال- ونكسب السيادة التي يتمتع بها، ونصطبغ بصبغتها.

وفي غمرة هذه الحيرة المضللة ضعنا أو ضُيّعنا، ولم نجد أنفسنا لا بين هؤلاء ولا بين هؤلاء، فلم يأخذ الأمر منّا ـ هذه المرة ـ زمنًا طويلاً كعادتنا، بل عزمنا أمرنا مباشرة، وتوكلنا على الله، وأنشأنا لأنفسنا فريقًا خاصًا بنا، حرصنا على أن يكون مميزًا، ومتميزًا، وذلك من خلال (الفضائل) التي يجمعها، وهي كثيرة بمقاييس المنتمين إليه، منها على سبيل المثال لا الحصر طبعًا، أنه يقدم نموذجًا مبتكرًا من الفئات البشرية، لم يكن له وجود من قبل، وقد لا يكون له وجود في مكان أو زمان آخرين.

ومنها أنه ينطوي على قدر كبير من الوسطية والاعتدال في زمن يسود فيه التطرف يمينا أو يسارًا، وقد كان هو بحد ذاته إفرازًا طبيعيًا لحالة رفض التطرف، فهذه الفئة من البشر لم ترتضِ الميل لا إلى أصحاب الكلام، ولا إلى أصحاب الصمت.

ومنها أيضًا أنه يساير ويجاري متطلبات العصر، من انفتاح وتقبل للآخر، ومرونة تساعد الفرد المنتمي لهذا الفريق لأن يكون جزءًا من أي فئة يقابلها، أو أي مجموعة يجتمع بها، فلا يكون غريبا بينها، ولا يكون وحيدًا مغردًا خارج بقية السرب.

ومن مزايا هذا الفريق المتوسط بين فريقي الصمت والكلام أنه يرضي الطرفين، وهذه ميزة نادرة التحقق في الأحوال الطبيعية، وهي دليل على فرادة الصيغة التي توصلنا إليها وابتكرناها وجعلناها علامة لنا، فهذا الفريق الذي يجمع بين الصمت والكلام في وقت واحد، يبدو وكأنه يجاري الصيغة التجارية التي كثر تعرضُنا لها على المستوى التجاري حتى ألفناها في كل شيء حولنا.

وهي صيغة (اثنان ٍّ واحد)، إذ يجمع بين عنصرين متضادّين هما الصمت والكلام في الوقت نفسه، ولكن بطريقة فريدة تمكنت لفرادتها من جمع هذين النقيضين بشكل غير مسبوق؛ فأفراد هذا الفريق يتكلمون، ولكنه كلام يشبه الصمت، وفي أحيان كثيرة، يكون الصمت أفضل منه.

ليس كل الكلام أقطع من حسام كما يقول المثل العربي الذي تولّد من رحم زمنٍ كان للكلمة فيه وزن الفعل وأثره؛ فبعض الكلام لا يحرّك ساكنًا، وبعضه يضر أكثر مما ينفع، ويؤذي أكثر مما يفيد، ويزيد الهمّ الواحد همومًا عدة بدلا من أن يقضي على الواحد أو يفرّج عن حامله.

ويبدو الصمت في مثل هذه الأحوال ذهبًا حقيقيًا، وربما ألماسًا، لأنه على الأقل يمنع شرًا، ويحجب أذى، ويظل الصامت محتفظًا بسرّه (في بطنه)، لا يُعرَف خيره من شره، ويظل الخير محتمَلاً بنسبة لا تقل عن النسبة المحتمَلَة للشر.

ولكنه إن تكلم انطلقت الكلمة كالرصاصة التي لا تعود بعد أن تخرج من مكانها، ولا يمكن بحال من الأحوال إلا أن تعبر عن المعنى الذي خرجت من موضعها في نفس قائلها لتعبر عنه، مهما حاول المتكلم بعد ذلك أن يعدّل أو يغير في مضمون ما قال، إن كان مهتمًا بالتعديل والتحسين.

وقد أصبح الصمت حالة عربية خاصة وخالصة، وكثر اقترانه بصفة العروبة في سياقات كثيرة ومتعددة، حتى أصبحت عبارة (الصمت العربي) لا تحمل معنى جديدًا لكثرة ما تكررت حتى استُهلكت.

وفي زماننا هذا، يكثر الكلام كما يكثر الصمت، ولكنه كلام لا قيمة له، حتى تحققت مقولة الكلام من فضة والسكوت من ذهب تحققًا عمليًا تطبيقيًا دون أن نشعر

.

ولكن الداهية الدهياء هي أننا فقدنا حتى فضة الكلام، ولم يعد كلامنا يجد ميزانًا يقبل أن يزنه، لأنه كلام جمع بين عيوب الصمت والكلام، وهو ما يقدمه الفريق الثالث الذي سبقت الإشارة إليه، وليس هذا لأن الكلام نفسه فقد قيمته في حدّ ذاته.

ولكن لأن الشخص الذي يصدر عنه الكلام فقد قيمته في الأساس؛ فكلما كان المتكلم في موضع قوة حمل كلامه القوة ذاتها، ووُزن بميزان الذهب وكل الأحجار الكريمة المعروفة وغير المعروفة، وإذا كان في موضع ضعف فإن كلامه لن يختلف كثيرًا في قيمته عن قيمة المتكلم به.

ومن الممكن أن يكون أحدهم في موضع قوة ويكون كلامه عديم القيمة تمامًا، ولكن ليس من وجهة نظره هو، إنما من وجهة نظر الأطراف الأخرى التي تظن أنها صاحبة الحق في تحديد قيمة الكلام ومتكلمه.

وإذا تمعنا وأنعمنا النظر في واقع المتكلمين باختلاف منابرهم واختلاف ظروفهم سنجد أن من يقف موقف قوة لا بد له من أن يتكلم بصيغة تدلّ على قوته هو، سواء كانت قوة في الحق أم في الباطل. ومن يقف موقف ضعف لا بد أن يتكلم بصيغة تدل على ضعفه، سواء كان ضعفًا في الحق أم في الباطل، الأمران سيان، والمهم فقط أن يدرك كل منّا هذه الحقيقة مهما بدت مرّة.

وإذا عدنا مرة أخرى إلى فريقنا الثالث، الذي جمع بين عيوب الصمت وعيوب الكلام، وتخلّى عن فضائلهما، نجد أنه يتكلم ليُحسَب ضمن المتكلمين، الذين لا يقفون موقف صمت إزاء ما يحدث.

وهذا يبعد عنهم الانتقاد بصفات مثل السلبية واللامبالاة، ولكنهم يتكلمون بكلام لا يحقق فائدة مرجوّة، ولا يجلب خيرًا، ولا يدفع شرًا، ولا يمثل سوى عقول محدودة لا ترى سوى أرنبة أنفها، ولا تدرك ما الذي يقع أبعد منها، أو أنه يمثل نفوسًا مريضة، لا ترى إلا ما تريده هي، ولا تدرك إلا ما يتفق مع مصالحها ويعزز نفوذها الآني، دون أن تفكر فيما وراء ذلك أو تعي عواقبه.

للكلام فضائله إذا جاء متناسبًا مع المقام، وكان هادفًا ومفيدًا، وللصمت فضائله إذا كان المقام لا يحتمل الكلام، أو إذا كان أي كلام لا يمكنه أن يعبر ذلك المقام. لكن كلا منهما يفقد فضائله كلها إن استُخدم في مقام غير مناسب، أو إن مُزِج بينهما على نحو يجعل الحق باطلاً والباطل حقًا.

وإذا كان الكلام قد فقد قيمته في وقتنا هذا لأنه فقد أثره فينا، والصمت فقد قيمته لأننا صمتنا حتى قتلنا الصمت وتركناه جثة لا روح فيها، فإن هذا إن دلّ فلا يدلّ إلا على أننا فقدنا قيمتنا حتى لم يعد مهمًا عندنا إن صمتنا أو إن تكلمنا أو إن ابتكرنا حالة خاصة بنا، وتكلمنا ولكن بمنطق لا يستطيعه غيرنا.

جامعة الإمارات

Sunono@yahoo.com