لعل السؤال الأساسي الذي يطرح الآن في أعقاب إعلان نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي والخسارة التي مني بها الحزب الجمهوري، هو: ما هو مستقبل المشروع الأميركي في العراق؟

وغني عن القول انه لابد وان تحدث تعديلات على هذا المشروع انطلاقا من سببين، الاول هو ادراك الرئيس الأميركي جورج بوش واركان الحزب الجمهوري ان هذا المشروع كان احد اسباب الخسارة في انتخابات الكونغرس.

وبالتالي فإن احداث التغيير عليه امر لابد منه حتى لاتستمر الخسارة هي المنهج المعتمد لدى الحزب الجمهوري، خاصة وان انتخابات الرئاسة الأميركية سوف تجري بعد عامين ، بما يعني ان الحزبين الديمقراطي والجمهوري قد بدءا بالفعل الاستعداد والتجهيز لها بعد اعلان النتائج مباشرة.

اما السبب الثاني فهو ان الرئيس سوف يرضخ لمواقف الديمقراطيين وهؤلاء بدأت مواقفهم قبل الانتخابات في التحول تجاه معارضة المشروع الأميركي في العراق، بعدما كانوا يوافقون عليه في السابق. وهذا الأمر يعني ان هذا المشروع سوف يصبح موضوعا للمساومة والتفاوض والتنازل والاخذ والرد بين كلا الحزبين.

وهو ما يعني عملياً أن الرئيس لم يعد يستطيع المضي قدما وبصورة منفردة فيه مثلما كان عليه الحال قبل اجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس بما يؤكد ان تغييرا ما لابد وان يحدث على هذا المشروع بدءا من الآن وحتى نهاية الولاية الثانية لبوش وعندها يصبح المشروع بكامله رهنا لدى الرئيس الأميركي الجديد الذي سوف ينتخب بعد عامين من الآن.

وهناك ثلاثة نقاط جديرة بالإشارة عند الحديث عن هذا المشروع الأميركي للعراق، اولها هو ان ماطرحته بعض الاقلام العربية قبيل اجراء انتخابات التجديد النصفى للكونغرس حول أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس يمكن أن تؤدي اتوماتيكا إلى انسحاب القوات الأميركية من العراق هو امر مخالف لأي بديهيات سياسة.

فبعيدا عن ان الانسحاب العسكري يتطلب فترة من الوقت وخطوات لوجستية قد تقترب من العامين بما يعني انه لا يمكن التفكير في الانسحاب قبل هذا التفكير، فإن هناك نقاط ذات صلة بالسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط تؤدي عمليا إلى عدم اتخاذ الولايات المتحدة قرارا بالانسحاب الآن وعلى رأسها ان ايران سوف تكون هي المستفيد الأكبر من الفراغ الذي سوف تتركه الولايات المتحدة في العراق.

اضافة الى ان حلفاء الولايات المتحدة العراقيين يريدون بقاء القوات الاميركية فترة من الوقت ونفس الامر ينطبق على الحلفاء الإقليميين وعلى رأسهم كل من مصر والمملكة العربية السعودية والأردن وتركيا. ووفقا للظروف الحالية في الولايت المتحدة بعد الانتصار الذي حققه الديمقراطيون فإن المتاح بالنسبة لهم هو عدم الموافقة على ارسال المزيد من القوات الى العراق وليس سحب هذة القوات منها.

اما النقطة الثانية فهي أن المشروع الأميركي في العراق كان حتى نهاية الولاية الاولى للرئيس بوش مشروعا خاصا بتيار المحافظين الجدد الذين يسعون من خلاله الى احداث تغيير راديكالي في التركيبة السياسية لمنطقة الشرق الاوسط.

وقد تراجع هذا المشروع فعليا انطلاقا من مؤشرين اولهما هو ان تطورات الاوضاع في العراق والمقاومة الشرسة التي يواجه بها الشعب العراقي الاحتلال الأميركي وارتفاع عدد القتلى في صفوف الجيش الاميركي جعلت الرئيس يتراجع عن المشروع.

وثانيهما أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس همشت تيار المحافظين الجدد داخل وزارة الخارجية كذلك تم تهميش نفس التيار داخل البيت الابيض، وهو ما يعني التراجع غير المباشر عن المشروع. وأصبح البديل هو البحث عن كيفية الخروج الذي لا يؤثر على صدقية الولايات المتحدة ومكانتها الدولية وايضا لايؤثر على مصالحها في منطقة الشرق الاوسط وبما لايفيد القوى التى تناصبها الولايات المتحدة العداء وعلى رأسها سوريا وإيران.

أما النقطة الثالثة فهي متعلقة باللجنة التي شكلها الكونغرس الأميركي قبل إجراء انتخابات التجديد النصفي بعدة أسابيع للبحث عن بدائل للسياسة الأميركية في العراق ورأسها وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر وهو من اعمدة الحزب الجمهوري لكنه ليس من المحافظين الجدد ولجنته ضمت ديمقراطيين وجمهوريين بما يعني أن المشروع الأميركي في العراق خرج تماما من ايدي المحافظين الجدد.

وبالتالي لم يعد على نفس الفلسفة التي كان عليها في السابق ولم تعد طموحاته على نفس شاكلتها عند البدء في تنفيذه، وهو مايؤكد ان المشروع الأميركي في العراق قد حدثت فيه تغييرات دراماتيكية لم يعلن عنها قبل الانتخابات لكننا سوف نشاهد تطبيقها على ارض الواقع في الأسابيع المقبلة وبعد ان تقدم لجنه بيكر تقريرها رسميا الى الجهات الرسمية في الولايات المتحدة.

والذي يؤكد ما نذهب اليه هو ان الفترة التي سبقت الانتخابات شهدت نقدا حادا من منتمين الى تيار المحافظين الجدد للرئيس بوش وادارته ومعظم هذا النقد انصب على عدم تنفيذه المشروع الاميركي في العراق حسبما وضعوه هم.

وهذا النقد سوف تزاداد حدته في الفترة المقبلة وقد يكون هدفه هو ابتزاز الإدارة لكي تعود عن تراجعها، او بهدف استعراض القوة من قبل المحافظين الجدد بما يجعل اي مرشح جمهوري مقبل يتحالف معهم ويضمهم الى حملته الانتخابية وبعد ذلك الى ادارته،.

وهو ما يعني أن الصراع على المشروع الاميركي في العراق سوف يكون احد محاور الانتخابات الرئاسية المقبلة بينما سيكون ما هو متعلق به في الوقت الراهن هو البحث عن وسيلة للخروج من المأزق العراقي تحفظ ماء الوجه الأميركي. وهو الأمر الذي يؤكد أن هذا المشروع أصبح الآن عمليا في مهب الريح.

كاتب مصري