ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها مسؤول أميركي عن احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة، غير أن تحذير الجنرال جون أبي زيد أو تهديده أو توقعه (اختر أيها تشاء) من نشوب مثل هذه الحرب يكتسي طابعا خاصا ..

سبق وأن ترددت العبارة التي يتم التعامل معها وكأنها لعبة على لسان نيوت جينجريش رئيس مجلس النواب الأميركي الأسبق وأحد عتاة المحافظين الجدد الجالسين على دكة الاحتياط، كما رددها كتاب ومعلقون أميركيون كثر وسياسيون على رأسهم جورج بوش وإن قالها تلميحا حين تحدث عن حربه ضد ما أسماه بالفاشية الإسلامية.

وليس مستغربا أن تظل الفكرة متداولة ليس فقط في الأدبيات السياسية الأميركية وإنما تمتد إلى الروايات البوليسية (قيام العاصفة الحمراء لتوم كلانسي نموذجا) وأفلام السينما الهوليودية (خاصة أفلام جيمس بوند) والمواقع الإلكترونية للمسيحيين الإنجيليين والتي تعكس ما يدور في أذهانهم وداخل كنائسهم عن حرب هرمجدون.

لكن الغريب هو أن تنتقل هذه الفكرة من أدمغة السياسيين والمبشرين الإنجيليين والكتاب ومؤلفي الروايات البوليسية وصناع السينما إلى لسان أكبر قائد عسكري أميركي يفترض أنه ذاق الحرب وعرف ويلاتها أولا ويفترض ثانيا أنه ومؤسسته العسكرية بمعزل عن شطحات المحافظين الجدد اللهم إلا حين تتحول الفكرة إلى قرار يطلب من العسكرية الأميركية تنفيذه.

لذا فإن تصريح جون أبي زيد يحمل مضامين خطيرة ويفتح الباب على احتمالات عدة منها أن يكون تفكير الجمهوريين الشيطاني قد هداهم إلى الخروج من حالة العزوف الجماهيري الذي مكن الديمقراطيين من السيطرة على الكونغرس بتوسيع نطاق الصراع المتوهم مع «التشدد الإسلامي» وزج الولايات المتحدة في أتون صراعات جديدة عملا باستراتيجية إكراه العالم على الخضوع للسطوة الأميركية .

أو أن تكون القيادة العسكرية الأميركية قررت أن تركب رأسها محاولة الإفلات مما أصبح يعرف بـ «عقدة العراق» حتى لا تكلف الولايات المتحدة عقودا من الانكفاء على الذات كما حدث بعد «عقدة فيتنام».

الأكثر غرابة في تصريح قائد القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط أنه ربط ما يجري في العراق بإسرائيل وبلجم الطموح الإيراني.. وهذا يعني أن القيادة الأميركية (سياسية وعسكرية) تصر على مفاهيمها المغلوطة.. وتعتقد بصحتها، وهذا معناه أن أميركا لن تفهم هذه المنطقة في الأمد المنظور..

وتصرفها كقيادة دولة عظمى وحيدة سيظل أخرقا إذ تحاول التقرب من العرب والمسلمين بشكل يجلب نقمتهم، وهذا يذكر بموقف لكارين هيوز مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية للدبلوماسية العامة حين فاجأت أحد المسؤولين العرب بالقول إنها فتنت جداً بالرقص الشرقي، ولطالما تمنت أن تكون راقصة لكن ظروفاً معينة جعلتها تمتهن الدبلوماسية، ظانة بذلك أنها تتقرب من العقلية العربية، وغير مدركة أن الرقص الشرقي مهنة لا تحظى بكثير من الاحترام في أذهان الغالبية هنا.

التصرفات الخرقاء لبوش وإدارته دفعت رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفجيني بريماكوف إلى التساؤل قائلا: «لا أدري لماذا يحاول الرئيس جورج دبليو بوش تقليد الشيطان.. إن واشنطن تقود الكرة الأرضية إلى حرب عالمية ثالثة» ويضيف بريماكوف قائلا: «إن الولايات المتحدة هي التي تصنع ما تطلق عليهم مجانين الله في العالم العربي والإسلامي ما دامت تأكل العالم، وتضع يدها على المجتمعات العربية والإسلامية، كما تحمي أنظمة تعود إلى العصر الحجري».

التساؤل هو كيف تخوض الولايات المتحدة حربها العالمية الثالثة ضد التشدد الإسلامي، وماذا يمكن أن تفعل أكثر مما فعلته منذ هجمات 11 سبتمبر قبل ما يزيد على خمس سنوات؟ ثم ألم تفشل أميركا فشلا ذريعا في تحقيق أي من أهدافها؟ هل تقاتل هذا التشدد الإسلامي المزعوم من بيت إلى بيت تحت سمع وبصر الأنظمة الموالية لها (على نحو ما حدث مؤخرا من قصف مدرسة دينية في باكستان ظنا أن أيمن الظواهري موجود بداخلها)؟

واضعو سيناريوهات الحرب الأميركيين تفتق ذهنهم عن عدة احتمالات قد تقود إلى اشتعال حرب عالمية ثالثة أولها أن تكتشف إسرائيل شحنة أسلحة إيرانية لحزب الله، فتقصف الشحنة بالتزامن مع توجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية، فيتدفق رجال الحرس الثوري الإيراني عابرين حدود العراق لضرب الوجود الأميركي هناك..

وتحدث تظاهرات عارمة ضد أميركا وإسرائيل في العالم العربي تقود إلى فوضى تخرج عن السيطرة، وثانيها أن يقصف صاروخ كوري شمالي طوكيو عن طريق الخطأ، فتندفع أميركا لقصف كوريا الشمالية وتتدخل الصين، وثالثها أن يتم اغتيال الرئيس الباكستاني برويز مشرف وتقع المنشآت النووية الباكستانية في يد المتطرفين، ورابعها أن تتدخل روسيا في إحدى الجمهوريات السوفييتية السابقة لقمع المعارضة فتنشب حرب بينها وبين حلف الناتو بزعامة أميركا. غير أن تصريح جون أبي زيد الأخير يهمل ثلاثة احتمالات ويركز الضوء على أولها.

أميركا مأزومة وهي في حاجة إلى خشبة خلاص .. هل تكون هذه الخشبة حربا جديدة ضدنا؟ لكن كيف وضد من بالتحديد.. وماذا يحدث لو أن انفجارا بحجم ذلك الذي استهدف المارينز في بيروت عام 1983 وقع ضد القوات الأميركية في العراق .. هل يهرب الأميركيون تحت جنح الليل أم يعتبرونها فرصة ذهبية لإشعال الحرب العالمية التي يبشرون بها.. تساؤلات تظل إجاباتها معلقة بذلك الذي يلهم بوش.. وما إذا كان إلهاً كما يدعي المقربون منه أم شيطانا حسب رؤية بريماكوف.

magdishendi@hotmail.com