هناك ظاهرة بدأت تتطور على مسافة بعيدة جدا من قارتنا،... وربما لم تحظ كفاية بدراسة المحللين... سواء تجاهلا، أم تعمدا، أم لبعد المسافة... وأيا كان السبب، فإن هذه الظاهرة ستفرض نفسها على الجميع في السنوات القريبة المقبلة، قارة أميركا الجنوبية.

وعودة 8 دول إلى النظام اليساري من جديد، وكان آخرها (وربما لن تكون آخرها) نيكاراغو بعد حصول دانيال أورتيغا عدو الولايات المتحدة الأميركية اللدود، على 38 في المئة من الأصوات ليعيد اليسار بعد غياب دام أكثر من 16 عاما إلى سدة الحكم من جديد، هذا الرجل الذي كان قائدا لحرب العصابات في بلاده ضد نظام سوموزا، والذي أقلق ساسة الإدارة الأميركية على مدى سنوات طويلة.

إضافة بالطبع إلى كوبا بزعامة فيدل كاسترو الذي يحتضر هذه الأيام على فراش الموت بعد 50 عاما من الزعامة الواحدة، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي مازالت متشبثة حتى الموت بالنظام الشيوعي. وهي أيضا دولة مناهضة لسياسة الولايات المتحدة الأميركية.

وهناك أيضا فنزويلا ومواقف رئيسها هوغو شافيز الصريحة ضد سياسة الولايات المتحدة الأميركية... والتي جعلت منه بطلا شعبيا وصديقا لدى الكثيرين في منطقة الشرق الأوسط لمواقفه من القضايا العربية! وبوليفيا والبرازيل والأرجنتين وشيلي والأورغواي.. ولا نستبعد زيادة عدد الدول المتجهة إلى طرف اليسار في الحكم يوما بعد يوم.

لقد اعتقد العالم وبالخصوص عالم الرأسمالية الذي أعلن وفاة النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي سابقا، أن الأنظمة اليسارية قد ولت دون رجعة، وأن العالم يتحول إلى الرأسمالية والعولمة والمؤسسات العملاقة والمال والاندماجات الكبرى ونهاية المؤسسات الصغيرة ومعهم فقراء العالم...

من الملاحظ أن دول أميركا اللاتينية المتجهة مرة أخرى نحو اليسار يشكل معظمها دولا تعاني من الفقر والبؤس.. ونسبة الفقراء فيها هي التي لعبت دورا رئيسيا في توجهات هذه الدول.

وقد لعب الساسة كثيرا على عواطف هؤلاء المعدومين بوضع طعم تبديل حالهم إلى الأفضل في سنارة الانتخابات ليصطادوا أكبر عدد ممكن من أصوات الناخبين، فنيكاراغوا التي استقلت عن أسبانيا عام 1821 عركتها الثورات الأهلية على مدى سنوات أتت فيها على الأخضر واليابس..

ورغم المحاولات اليائسة لتحسين الأوضاع إلا أن دخل الفرد فيها مازال بعيدا عما يطلق عليه: الحياة الكريمة. فدخل الفرد فيها لا يتعدى 400 دولار في السنة. فماذا يمكن أن تصنع 33 دولارا في الشهر، أو 1 دولار في اليوم؟ (بينما كلف زفاف أحد نجوم السينما الأميركية توم كروز 9 ملايين دولار نقداً وعداً).

إن الفقر في العالم في ازدياد مستمر وخطير للغاية، وما زال تحذير علماء الاجتماع من خطورة نتائج ازدياد الهوة بين الأغنياء والفقراء غير مسموع. والفقر ليس فقط في سرعة كبيرة جدا ولكنه على مستويات مختلفة: فهناك زيادة في حدة الفقر (أي أن هناك فقراء أصبحوا أكثر فقرا).

ثم هناك زيادة في عدد فقراء العالم. ويرجع البعض ذلك أولا إلى جنون زيادة أسعار كافة المنتجات الاستهلاكية الضرورية ومنها الغذائية في العالم، مقابل دخل إما كما هو عليه في أحسن الحالات أو مترد في أسوأ الحالات. ما يعني أن الفرد يصبح فجأة فقيرا دون أن يتغير دخله السنوي! ثم يأتي دور ازدياد عدد سكان العالم (خاصة لدى الشعوب الفقيرة أصلا).

فكلما زاد عدد السكان في بقعة ما كلما قل دخل الفرد وقلت فرص الحصول على عمل. فالكل يعلم بأن عدد سكان الكرة الأرضية قد فاق الـ 6 مليارات كائن بشري قبل أعوام، وهؤلاء جميعا في حاجة إلى ضرورة الغذاء وضرورة الملبس وضرورة التعليم (حيث لا نتصور حل الفقر بالجهل).

وطبقا لبعض الإحصائيات فإن عدد سكان العالم قد تضاعف في غضون أقل من أربعين سنة! أي أن هناك 3 مليارات آدمي قد ولدوا فقط بين عامي 1960 و1999.

وهذا رقم يصيبنا بالدوار والهلع. كما أن موارد العالم بدأت في تناقص ملحوظ بسبب الاستهلاك المتزايد لها وبسبب التلوث الذي ضرب العالم والذي تسبب بدوره في شح نسبة الأمطار، وما نتج عن ذلك من جفاف ونقص في نسبة المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية وغيرها، والتي بدأت أثار كل ذلك واضحة على جغرافية الكرة الأرضية.

وهناك دول أمام هذا الهلع المتزايد فكرت أن تستأثر بالعالم اقتصادا وموارد لضمان وجودها من منطلق مبدأ الصراع من أجل البقاء. فوضعت البرامج الجديدة ورسمت الخطط المدروسة وجهزت آلتها العسكرية للاستفراد بمقدرات العالم والتهامه على مرأى من أعين الجميع. والكل يتفرج دون أن يحرك ساكنا. خاصة هؤلاء الذين تربطهم مصالح خاصة وضيقة بهذا النظام العالمي الجديد سواء من حكام بعض الدول أو من أصحاب رؤوس الأموال الضخمة.

وهؤلاء هم أيضا محسوبون على نسبة 01,0% من عدد سكان العالم الذين تم تصنيفهم في خانة أغنى أغنياء العالم. وفي الجهة المقابلة هناك فقراء خسروا كل شيء ولم يكن أمامهم سوى بطاقة الاقتراع.

وبين اختيار مرشح محسوب على قائمة الأنظمة الرأسمالية الجديدة ومرشح يساري، لم يجد هؤلاء من سبيل بعد أن شبعوا من أحلام اليقظة بعالم يصبح فيه الفقراء أغنياء، سوى اختيار مرشح يشعر على الأقل باحتياجاتهم وينتمي إلى طبقتهم. وهذا ما حصل أخيرا في بعض دول أميركا الجنوبية. وهذا أيضا ما قد يحصل قريبا في دول أخرى قريبة منها أو بعيدة عنها.

وعندما كانت الثورات تنفجر في السابق بالسلاح والعنف (كما حصل في نيكاراغوا) ضد الأنظمة الدكتاتورية والفاسدة، أصبحت اليوم الثورات يعبر عنها ضد أي نظام غير متوازن بورقة الاقتراع. رغم أن الحال ربما لن يتغير كثيرا بعد تغيير النظام، إلا أنها ثورة شبه نكاية بالأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال والدول الرأسمالية المتعجرفة والمتسلطة.

ولا أدل على ذلك مما قد حصل قبل فترة في جمهورية إيران الإسلامية عندما ذهب الشعب الإيراني لاختيار رئيس ينتمي إلى الطبقة الكادحة.

فقد لعبت الطبقة الكادحة دورا كبيرا في تغلب نجاد على منافسيه وبالتالي في وصوله إلى تلك الجمهورية التي يتكون عدد سكانها حاليا من أكثر من 67 مليون من البشر معظمهم من ذوي الدخل المحدود، والذين عانوا كثيرا في الماضي من نظام الشاه الذي بنى سياسة بلاده على المظاهر المادية والبذخ على النفس والحاشية وترك شعبه يبحث عن بقايا الطعام في صناديق المهملات، ولأن نجاد يعكس في الوقت ذاته مشاعرهم شكلا ومضمونا وفكرا يحمل كرها للسياسة الأميركية الرأسمالية المتغطرسة على الفقراء.

والكثير من شعوب الدول الإسلامية ترى في الأنظمة الرأسمالية الحالية التي تتبع النظام الغربي تضاربا مع مبادئ الإسلام الحنيف وسيرة الخلفاء الراشدين التي تدعو إلى المساواة والزهد في الحياة والابتعاد عن الماديات والأخذ بيد الفقراء والاندماج معهم.

خاصة وأن البعض منهم يرى أن بعض الأنظمة الرأسمالية خاصة الغربية منها تستخدم كل الوسائل المتاحة الشرعية وغير الشرعية لابتزاز المال والثراء على حساب الفقراء دون مراعاة للظروف المعيشية الصعبة لذوي الدخل المحدود ومن هم دون ذلك. بل ربما ضربت بهؤلاء وبمطالبهم عرض الحائط بعد الفوز في الانتخابات.

إن التغير الذي تحدثنا عنه في بداية هذه السطور والذي أثر على نتائج الانتخابات في بعض دول أميركا الجنوبية يسير تقريبا في نفس الاتجاه: البحث عن نظام سياسي أكثر إنسانية من مادية رأسمالية الدول الصناعية.

وربما يتزايد يوما بعد يوم عدد الدول التي من جهة ترغم على اختيار الأنظمة ذات الطابع الاشتراكي خاصة في الدول العلمانية، أو من جهة أخرى تذهب مشحونة بمبادئ المساواة والإنسانية التي يدعو إليها دين الإسلام لاختيار المرشحين الذين ينتمون للأحزاب الإسلامية، كما حدث أيضا في تركيا قبل سنوات قليلة.

لقد حاربت الولايات المتحدة الأميركية نفسيا وماديا وعسكريا كل الحكومات التي انتهجت نظاما شيوعيا أو اشتراكيا في العالم، وعملت على دعم معارضيها وإسقاط معظمها وتحويلها إلى نظامها الرأسمالي. إلا أنها بسياستها تلك أثارت لدى كثير من الشعوب كره النظام الرأسمالي القائم على ثراء الفرد الواحد على حساب المجتمع الكامل، وحركت تمرده ضد أنظمة بلدانهم باتجاه الاشتراكية الجديدة.

جامعة الإمارات