ما زلت أذكره جيدا وهو يخطو نحو الصفوف الأمامية بخوف وحذر في قاعة الدراسة ليتحدث عن مشروعه الذي فاز ضمن المشاريع الجامعية، ولن أنسى كيف كاد يقع على الأرض عندما بدأ بالحديث عن مشروعه الذي لا أعرف إلى اليوم ما هو، فمن شدّة وطأة الحدث عليه لم يستطع أن يلتقط أنفاسه، فاصفرّ وجهه وانعقد لسانه وخرج مسرعاً من قاعة الدراسة ولم يعقّب.

زميلي هذا هو أحد المتميزين الذين تنقصهم مهارة الحديث أمام الناس، فهو لم يعتد أن يعبّر عن رأيه في بيته أو مدرسته، ولم يظن يوماً أنه سيعطى الفرصة ليتحدث على مسمع من البشر عما يجول في خاطره وعن رؤيته وطموحه... أو حتى عن نفسه. وغيره كثر من المتميزين الذين لم يستفد المجتمع منهم لا لشيء إلا لأنهم لا يعرفون كيف يوصلون رأيهم إلى المجتمع، وفي الغالب فإنهم يخافون من طرح أفكارهم على العلن لئلا يقابلوا بالاستهزاء قبل الرفض، وحتى لا يقال لهم «مازلتم صغاراً» أو «عندما يتحدث الكبار فعلى الصغار أن يصغوا ولا يقاطعوهم»®®. ولذلك على هؤلاء «الصغار» ألا يتجاوزوا هذه الخطوط الحمراء التي تبقى مرسومة إلى أن يفارق «الكبار» الحياة مخلّفين وراءهم رهطا من مطأطئي الرؤوس الذين لا يضرّ وجودهم ولا ينفع.

في عام 1992 تحدث مجموعة من أعضاء مجلس مدينة «نيلسون» في نيوزيلاندا عن كيفية إعطاء الشباب دورأً أكبر في المجتمع، وبعد أربع سنوات تم تأسيس منتدى للشباب ليبدوا من خلاله آراءهم وأفكارهم حول القضايا الشبابية، وفي عام 1998 تم تأسيس «مجلس شباب مدينة نيلسون» ليكون الجهة الرسمية التي تمثل جيل الشباب وتحمل صوته إلى المسؤولين في المدينة بشكل رسمي، وليعبّر عن قضاياهم الملحّة وآرائهم في السياسات الحكومية والمشاريع التي تقوم بها الحكومة في مدينتهم. وكان أحد الأهداف الرئيسية للمجلس هو أن تولي الحكومة اهتماماً أكبر وجديّة أكثر في التعاطي مع القضايا الشبابية على المستوى المحلي والوطني.

وتتم عملية تشكيل المجلس عن طريق ترشيح شباب وفتيات من المدارس الثانوية أو ما يعادلها من مؤسسات علمية وشبابية لخوض انتخابات يشرف عليها مجلس المدينة، والهدف من وراء ذلك هو إعداد هؤلاء الشباب للحياة الديمقراطية التي ستقودهم إلى معترك السياسية والعمل الحكومي في يوم من الأيام. وبعد الانتخابات يقوم مجلس المدينة بتعيين أحد أعضائه كمستشار لمجلس الشباب ليقدم لهم المشورة والنصيحة فيما يتعلق بالإجراءات الرسمية لإعداد التقارير ومحاضر الاجتماعات وآلية طرح المواضيع ومناقشتها وغير ذلك من أمور، كما يقوم مجلس المدينة بتوفير الدعم الإداري واللوجيستي المتعلق بنقل الشباب من وإلى المجلس والتكفل بفواتير الكهرباء والهاتف وتوفير أجهزة الكمبيوتر والوجبات أيام انعقاد جلسات المجلس وغير ذلك من خدمات.

وحتى تكون لهذا المجلس مكانة رسمية واستقلال عن تبعية أحد الأفراد المتنفذين في الحكومة، تم وضع المجلس تحت لجنة الخدمات المجتمعية في مجلس المدينة، وتم اختيار نائب رئيس اللجنة من مجلس الشباب ليكون لهم تمثيل رسمي أكبر في الحكومة، بالإضافة إلى ذلك فإن لمجلس الشباب نظاما داخليا شبيها بالنظام الداخلي لمجلس المدينة من حيث الإجراءات المتبعة كآلية التصويت واتخاذ القرارات.

أما مستشار المجلس فإن له الدور الأكبر في تفعيل أعضائه وربطهم بالحكومة والمجتمع على حد سواء، فمن خلال حضوره لاجتماعاتهم ونقاشاتهم يقدم هذا المستشار للأعضاء المشورة حول سياسات أو إجراءات حكومية معينة يصعب على شباب في مثل سنهم فهمها وتقييمها، كما يساعدهم على فهم طريقة عمل الحكومة من ناحية تخصيص الميزانيات واتخاذ القرارات وغير ذلك من أمور، وبمساعدته استطاع أعضاء مجلس الشباب أن يطرحوا أفكارهم ومقترحاتهم بشكل منطقي ومتماش مع القوانين والسياسات الحكومية التي قد يغفل عنها أفراد في سنّهم، ومن خلال هذا التواصل استطاعت الحكومة أيضاً أن تفهم كيف يفكّر الشباب وكيف ينظرون إلى بعض السياسات والممارسات الحكومية وبالتالي سعت للوصول إلى صيغة متّفق عليها مع هذه الشريحة المهمة في المجتمع.

ولقد ساهم مجلس الشباب في توفير تمويل مالي لأحد المشاريع الحكومية عجزت الحكومة نفسها عن توفيره، ولهذا حصل المجلس على جائزة دول الكومنويلث للشباب لعام 2001، أما المشروع المتميز الذي قام به المجلس فهو «مجمّع الروّاد» وهو عبارة عن مجمع للأنشطة الاجتماعية، حيث قام أعضاء المجلس بعقد جلسات عصف ذهني وأجروا العديد من الاستبيانات في الأحياء السكنية وبين مختلف فئات المجتمع، واجتمعوا مع مجموعة من المهندسين والمتخصصين في المجالات الرياضية والترفيهية، ثم عقدوا اجتماعات مع ممثلين عن الأحياء السكنية ليسمعوا منهم اقتراحاتهم وآراءهم بشأن هذا المجمع الاجتماعي. وتحت إشراف المستشار قام الشباب بوضع تصوّر كامل وخطة عمل لهذا المجمع، وكانت النتيجة حصول أفراد المجتمع على مجمع يحوي ساحة للتزلج على الجليد، وملعب لكرة السلة وملعب لكرة الطائرة وقاعات للأنشطة والفعاليات الاجتماعية والثقافية.

كما تمت مراعاة جوانب السلامة المتبعة في المجمعات العالمية.وفي تعليق لأحد أعضاء مجلس المدينة قال فيه: «إن العمل الذي قام به مجلس الشباب فريد من نوعه، ولو أننا قمنا بهذا العمل لوحدنا لأنشأنا مجمعاً به ساحة واحدة لجميع الألعاب وبعض القاعات، ولكانت النتيجة مخيبة لأفراد المجتمع ولنا نحن أيضا» ولقد حصل أعضاء المجلس عن هذا المشروع على جائزة أفضل المبادرات الاجتماعية التي تعطى من قبل الحكومة.

إن الحديث عن أهمية الشباب في المجتمع جميل ومشرق، وإن أردنا أن يكون الفعل أكثر إشراقاً فعلينا أن نعطيهم المجال للإبداع وللمشاركة في حل المشاكل وإبداء آرائهم واقتراحاتهم... وإذا أردنا أن يكون لهم دور فعّال فلابد من أن نعزز شعور الانتماء في نفوسهم تجاه المجتمع عن طريق مشاركتهم في صناعة السياسات والبرامج الحكومية وإن كانت البسيطة منها... الكبار والصغار يعيشون معاً على أرض واحدة ويستخدمون نفس المرافق والخدمات ويحملون في قلوبهم حب وطن واحد، فلماذا يشارك بعضهم في صناعة مستقبله ويحرم الآخرون؟

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com