كما يتوقع الجميع، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن الدولي لمنع صدور قرار قدمته المجموعة العربية، يدين العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين، ويطالب إسرائيل بسحب قواتها من القطاع، وبحماية دولية للفلسطينيين.

المندوب الأميركي في الأمم المتحدة جون بولتون، اعتبر القرار غير متوازن، رغم أن الكثير من التعديلات تم إدخالها على الصيغة الأولى للقرار، وأدت إلى تشويهه، حيث وضعت الضحية على مستوى الجلاد، وتجاهلت المجزرة الرهيبة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في بيت حانون شمال قطاع غزة، يوم السادس من هذا الشهر.

الفيتو الأميركي جاء قبل يوم واحد من الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم الأحد الماضي الثاني عشر من الشهر، وعكس على المجتمعين أجواء من الخيبة جعلهم يتخذون قراراً جريئاً بالمبادرة إلى كسر الحصار المالي المضروب على الفلسطينيين فوراً، فضلاً عن أن لغة البيان الختامي جاءت غير معهودة، حيث عبرت عن استياء بالغ من الموقف الأميركي وإصرار على الدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط. رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود أولمرت الذي يزور الولايات المتحدة منذ الأحد الماضي، خلال لقائه مع الرئيس جورج بوش يوم الاثنين الثالث عشر من الجاري، عبر عن رفضه لفكرة عقد مؤتمر دولي للسلام وكذلك فعل بوش، وهما بذلك يكونان قد واصلا التمسك بموقف بلديهما الدائم من هذه المسألة.

وفي الواقع فإن زيارة أولمرت للولايات المتحدة تستهدف من بين أشياء أخرى مطالبة واشنطن إعادة إحياء خارطة الطريق لقطع الطريق على أية مبادرات أخرى قد تفرض عليها في وقت لاحق، فلقد عبرت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي لفني التي سبقت أولمرت إلى واشنطن، عبرت عن استعداد حكومتها للتعاون مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وإقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة، الأمر الذي يشكل أحد استحقاقات خارطة الطريق. الاستجابة الأمريكية جاءت سريعة، حيث أعلن رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض جون بولتون لشبكة (سي أن أن)، «ان الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي سيظل مصدراً للتوتر في العراق وجميع أنحاء الشرق الأوسط لكن إدارة بوش لن تطرح أية مبادرات جديدة للسلام حتى يكون الوقت مناسباً».

يؤكد ذلك ما كشف عنه التلفزيون الإسرائيلي يوم الجمعة العاشر من هذا الشهر، الذي كشف النقاب عن صفقة سياسية أمنية شاملة قد تعقد في غضون ثلاثة أسابيع. المحلل السياسي الإسرائيلي ايهود يعاري، قال للتلفزيون: «يدور الحديث عن انقلاب شامل في صورة الأوضاع باتجاه التهدئة الشاملة والتوجه نحو حل جذري للأمور على أساس اتفاق أمني وسياسي فلسطيني- إسرائيلي- أميركي- عربي- أوروبي».

ويقول يعاري «إن الخروج من المأزق الحالي يسير باتجاه استعداد حماس للالتزام بتهدئة كاملة وشاملة لإطلاق الصواريخ، والكف عن العمليات مقابل وقف إسرائيل هجومها وكذلك التزام جميع القوى والفصائل الفلسطينية بوقف إطلاق النار مقابل أن تتجه الأمور نحو النتائج التالية:

* وقف إطلاق نار متبادل وتهدئة أمنية شاملة.

* رفع الحصار عن الحكومة الفلسطينية التي ستتشكل من مختلف القوى الفلسطينية.

* رفع الحصار عن قطاع غزة والأراضي الفلسطينية.

* تشكيل حكومة وحدة وطنية تحظى بقبول أميركي ودعم أوروبي وعربي.

* تفعيل وتجديد الدعم المالي للسلطة ورفع التجميد عن أموالها.

*تمام صفقة تبادل أسرى شاملة لمئات الأسرى مقابل جلعاد شاليت.

تؤشر هذه المعطيات إلى جملة من التطورات المتزامنة التي تشترك في رسم صورة الأوضاع في المنطقة خلال المرحلة القادمة، أول هذه المعطيات هي حاجة الإدارة الأميركية لإعادة النظر في استراتيجيتها إزاء العراق، وعلى خلفية الفشل الذي أدى إلى خسارة الجمهوريين الأغلبية في الكونغرس الأميركي إثر الانتخابات النصفية التي وقعت خلال الأسبوع الأول من هذا الشهر، وكان من أول ضحاياها وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد.

خيبة الجمهوريين والإدارة الأميركية من حملتها على العراق لم تكن الوحيدة، فلقد فشلت سياستها أيضاً إزاء لبنان، حيث وقفت بقوة خلف إسرائيل التي شنت الحرب على حزب الله من أجل تدميره، والمساهمة في إعادة صياغة لبنان من جديد بما يتفق ومصالح الطرفين الأميركي والإسرائيلي، وبخرجه من دائرة الصراع ومن دائرة الفعل السوري والإيراني، لقد أدى هذا الفشل إلى تضعضع السياسة الأميركية في المنطقة، وإلى تراجع الثقة بدور إسرائيل وقدراتها، بالإضافة إلى ما تعانيه حكومة أولمرت من ضعف جعلها تتخلى عن خطة الفصل أحادي الجانب في الضفة، وتستنجد بالعنصري المتطرف أفيغدور ليبرمان الذي انضم إلى الائتلاف الحكومي مع 11 مقعداً في الكنيست، من أجل إطالة عمر الحكومة وحمايتها من السقوط.

إسرائيل أيضاً فشلت في إرغام الفلسطينيين على الاستسلام، ما أكده أحد جنرالات الأمن السابقين، داني ياتوم عندما قال: «إن إسرائيل جربت مع الفلسطينيين كافة الوسائل إلا الخيار السياسي». ربما كان من المبكر التوصل إلى استنتاجات جذرية، ولكن من المهم الانتباه لما قاله الرئيس السابق للبنك الدولي وممثل الرباعية الدولية إلى خطة الفصل، جيمس ولفنسون أمام بعض الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، خلال حفل أقيم أول هذا الشهر، حيث حذر ولفنسون من احتمال أن تفقد الولايات المتحدة اهتمامها بإسرائيل، مشيراً إلى أن سبب ذلك يعود إلى تغييرات إقليمية، وإلى أن إسرائيل أصبحت تتعرض للضربات.

ثاني هذه المعطيات، أن هناك تطورا في المواقف الأوروبية يتجه نحو تبني فكرة عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، حيث تكررت هذه الدعوة على ألسنة مسؤولين كبار فرنسيين وإيطاليين وأسبان، ثم ما أشار له رئيس الحكومة البريطانية في حديث له يوم الثاني عشر من الجاري، وقال فيه «إنه لا يمكن المراهنة على نجاح أي سياسة في الشرق الأوسط دون معالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي»، مضيفاً أنه لابد أيضاً من إشراك كل من سوريا وإيران.

ثالث هذه المعطيات ما بدا من استعدادات عربية لرفع مستوى الاحتجاج على السياسة الأميركية المنحازة لإسرائيل، وما يتبلور من استعدادات لتصعيد الجهد السياسي لإعادة إحياء العملية السياسية، والتلويح بتقديم الملف إلى مجلس الأمن الدولي.

قرار وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير بكسر الحصار فوراً، قد يصطدم مرة أخرى بالقدرة الأميركية على التعطيل، وهذا القرار رغم أنه جاء متأخراً لكنه ينطوي على محاولة لبلورة إرادة عربية جماعية فاعلة.

رابع هذه المعطيات، تتصل بالسعي الجاد من قبل الفلسطينيين لإقامة حكومة وحدة وطنية من الكفاءات وما يلاحظه الجميع من أن الحوار الفلسطيني الفلسطيني مفتوح كل الوقت عبر قنوات على الأطراف الدولية والعربية، ولكي تكون مثل هذه الحكومة مؤهلة ومقبولة وقادرة على تفكيك الحصار، والخروج إلى ميدان الحركة السياسية. ثمة مؤشرات إيجابية نحو بلوغ هذا الهدف، عربياً وأوروبياً، وحتى من الولايات المتحدة التي أعلنت وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس «أن حركة حماس في السلطة أفضل من حركة حماس في الشوارع تمارس الإرهاب».

ثمة ما يؤشر إذاً إلى إمكانية إعادة تحريك عجلة الحل السياسي، وفق مبادرات ومرجعيات جديدة، لكن ذلك يظل مرهوناً أولاً بقدرة الفلسطينيين على تأهيل أنفسهم وبما يجعلهم أقدر على تفعيل السياسة العربية كمقدمة ضرورية لتفعيل الاهتمامات والاتجاهات الدولية.

كاتب فلسطيني